الأحد، 2 أغسطس 2026

 

رجل الميادين

"عمَّار الطالب باحمد" 

v  دباجة:

عندما يخطفُ الموتُ مِنَّا رجلا كمن فقدنا اليوم "السيِّد الفاضل: عمَّار بن عيسى الطالب باحمد" (رحمه الله)، تبكيه عيوننا دموعا، وتعتصر عليه قلوبنا حزنا وألَما، ونعضُّ بنان الندم -نحن أبناء هذا الجيل- ونتأسَّف أنَّنا لـم نتقرَّب إليه يوما، ولم نجلس إليه ساعة، ليحكيَ لنا زمنا جميلا عايشه، وتاريخا مجيدا حفظه، ويصوِّر أمامنا مشاهد راسخة في ذهنه.

        وها نحن اليوم نتذكَّره عندما يخطفه الأجل المحتوم، وترفع نعشَه أعناق الرجال، وتشيِّع جنازته جموع غفيرة، فيها الكبار والكهول والشباب، منهم من عاشره، ومنهم من عرفه، ومنهم من سمع عنه أو قرأ عنه، وأنا من هؤلاء الذين سمعوا وقرؤوا عنه، فعرفنا أنَّه علَم من أعلام بريان العامرة.

        وأمام المشهد الجنائزي المهيب لرحيل الرجل، رُحتُ أستعرض ما عرفته عن "الحاج عمَّار الطالب باحمد" سماعا من بعض من عرفه، وقراءة من صفحات بعض الأسفار، ولكنَّها معلومات شحيحة جدًّا.

فكان حظِّي الجميل أن أحضر لقاء عزاء بعد الجنازة، حيث أُلْقِيَت خلاله بعض الكلمات عن الفقيد، فأكَّدت لي ما سمعت وما قرأت عن "عمَّار" رحمه الله سابقا، وبعد اللقاء اغتنمت فرضة حضور أحد المقرَّبين إلى الراحل، الأستاذ الحافظ: "السايح بن صالح الطالب باحمد" (حفظه الله)، ومنه تعرَّفت على من فقِدنا اليوم أكثر بمعلومات صحيحة وموثوقة. فهو:

v  عمَّار بن عيسى الطالب باحمد:

فهو "عمَّار بن عيسى بن يحيى بن يحيى الطالب باحمد"، وُلدَ بمدينة بريان ولاية غرداية خلال عام 1935م الموافق لعام 1354ه، أمُّه السيِّدة الفاضلة: "بيَّة بنت حمُّو باحميدة".

وفي بريان، نشأ وترعرع وتربَّى وتعلَّم؛ وكانت دراسته بين مسقط رأسه وقسنطينة حيث كان والده يشتغل تاجرا مسيِّرا لتجارة والده "يحيى بن يحيى الطالب باحمد".

ثمَّ اشتغل في التجارة أيضا مع أخواله بمحلِّهم التجاري بشارع فرحات بوسعد في الجزائر العاصمة، ثمَّ انتقل إلى بريان ليشتغل في محطَّة توزيع البنزين التي أسَّسها أخواله بناحية "لالَّة ساهلة" في خمسينيات القرن العشرين الماضي، ومنها انتقل إلى المحطَّة الجديدة في "حيِّ بودواية" مع بداية الستِّينيات، حيث أسندت إليه المسؤولية الكاملة للتسيير والإشراف، فكانت المهنة أو الحرفة أو المسؤولية التي استقرَّ فيها، وسيَّرها بحنكة وكفاءة إلى أن تقاعد منها وأسند أمرها ومسؤوليتها لشبابٍ أنشأهم وعلَّمهم ودرَّبهم بنفسه.

اشتغل في الفلاحة أيضا، بناحية "حيزية" قرب وادي الكبش، في شمال مدينة بريان؛ وله بين يديه حرفة الميكانيكي التي أتقنها بشكل عصاميٍّ، وعلَّمها للعديد من الشباب، خاصَّة أولئك الذين نشأوا وتربَّوا في أحضانه.

تزوَّج في سنة 1955م، بالسيِّدة: "نانَّة بنت يحيى ابن يامِّي"، ثمَّ بالسيِّدة: "عائشة بنت صالح الطالب باحمد"، وشاء الله تعالى ألاَّ يرزقه بذرِّية من صلبه، فأكرمه بذرِّية من أقاربه، فتح لهم باب بيته وتولَّى تربية ثمانية ذكور، وستِّ إناث، كان لهم ولهنَّ الأب الحنون، والراعي الأمين، والمسؤول المخلص، ورافقهم في التربية والتعليم حتَّى زوَّجهم وزوَّجهنَّ.

كان لــــ: "الحاج عمَّار الطالب باحمد" أدوار اجتماعية كثيرة، وبصمات في بلدته وعشيرته يشهد بها أغلب من عاشره وعرفه وتعامل معه.

v  مع الكشَّافة الإسلامية الجزائرية:

كانت له أدوار كبيرة في مساندة الحركة الإصلاحية وتثبيتها في البلدة بريان، ونشاط أكبر مع فوج الفتح للكشَّافة الإسلامية الجزائرية، ورغم أنَّه لم يكن عضوا فيها، إلاَّ أنَّه كان أحد مشجِّعيها الكبار، ومرافقيها الدائمين، من ذلك على سبيل المثال:

-     انتقاله من مسقط رأسه بريان إلى مدينة تيارت (تيهرت) ليحضر مع أصدقائه الكشفيِّين رحلتهم التاريخية المشهورة إلى هناك، ثمَّ يكرمهم باستقبال حارٍّ وإكرامية حاتمية لا تُنسى عند عودتهم من رحلتهم[1].

-     تدبيره لشاحنة تنقل أصدقاءه من المنشدين والكشفيين إلى مدينة القرارة، لإحياء أحد الأعراس فيها بنشاط ثقافي متميِّز[2].

-      له حضور متميِّز في أغلب أنشطة ورحلات الفوج الكشفي، حتَّى أنَّ الرحلة لا تحلو ولا اللقاءَ ينجح إذا غاب عنه "الطالب عمَّار" كما يطلقون عليه[3].

ومثل هذه المناقب والمكارم منه كثيرة لا يحصيها عدٌّ ولا ينساها عقل.

v  في عشيرته آل عابو:

كانت عشيرته "آل عابو" تفتقر إلى إدارة تجمع شملها، وتحفظ كرامتها، وتسيِّر شؤونها، وتقوم أمورها الاجتماعية، ونظامها الإداري، فانتدب الفقيد "الحاج عمَّار الطالب باحمد" (رحمه الله) في سنة 1973م، رفقة صديقه "الحاج موسى بن بابا ابن علاَّل" بحرص وحماسٍ شديدين لتأسيس إدارة لعشيرته لأوَّل مرَّة في تاريخها.

فاستشارا بدايةً "الشيخ صالح بن يحيى الطالب باحمد" (رحمه الله) في الأمر، فشجَّعهما على ذلك، وبارك خطواتهما في الموضوع، ووعدهما بالوقوف إلى جانبهما حتَّى يتحقَّق هذا الأمل للعشيرة. فتكوَّنت بالفعل أوَّل إدارة للعشيرة من سبعة أعضاء، وهم:

-     محمَّد بن سليمان حسني.

-     موسى بن بابا ابن علاَّل.

-     عمَّار بن عيسى الطالب باحمد.

-     صالح بن إسماعيل بهدِّي.

-     سليمان بن موسى الطالب باحمد.

-      السايح بن صالح الطالب باحمد.

فهبَّت العشيرة لبناء دار العشيرة التي تأوي أبناءها، وانطلقت بصدق وإخلاصٍ وتفانٍ، للعمل والنشاط، وترتيب الأمور الاجتماعية خاصَّة، والعمل على وضع الأسس والقواعد والضوابط الاجتماعي والتوعوي البنَّاء الذي يجمع الصفوف ويوفِّر الانسجام بين أعيان العشيرة الكبار، والإدارة الجديدة التي يقودها الكهول، والشباب العاملين في الميدان.

فكان "الطالب عمَّار" المتقدِّم الحريص رفقة زملائه في الإدارة، لخدمة الجانب الاجتماعي في العشيرة، مثل:

-     توزيع قفَّة رمضان على مستحقِّيها من العائلات.

-     مساعدة الفقراء والمحتاجين من الرجال والنساء بما يحتاجونه.

-     توجيه المرضى للعلاج وتوفير الدواء لهم.

-     توفير المساعدات الضرورية للمتزوِّجين والمتزوِّجات.

-     تشجيع المواهب والناجحين في التعليم بمختلف الوسائل.

-     السعي الحثيث بكفاءة في إصلاح ذات البين وجمع القلوب.

وبالفعل، وبشهادة العديد من أبناء العشيرة، أنَّ المرحوم كان عنصرًا نشيطا في العشيرة، فعَّالا في كلِّ عملٍ ولقاء تقوم به العشيرة، من التنظيم والتسيير وتوفير أسباب النجاح له[4].

v  صفات ومميِّزات:

تميَّز الفقيد "عمَّار الطالب باحمد" (رحمه الله) بمميِّزات وصفات ومواهب عديدة، حبَّبته إلى زملائه وأصدقائه ومعاشريه، وجعلت منه ملح المجالس وضرورة حضورها، ونديم ولاة الأمر في البلدة. منها على سبيل المثال لا الحصر:

-     دماثة الأخلاق والأريحية في التعامل مع الناس.

-     كرم حاتمي، ويدٌ مبسوطة مُنفقة بسخاء.

-     روح الإيجابية في التعامل مع محيطه.

-     روح الخيرية القوية تملأ نفسه.

-     سعة الصدر التي جعلته مقبولا جدًّا لدى الجميع.

-     الروح الجماعية وقبول الآخر أفرادا كانوا أو جماعات.

هذا السيِّد الفاضل: "عمَّار بن عيسى الطالب باحمد" (رحمه الله) تعرَّفنا عليه اليوم من الكلمات التأبينية التي سمعناها من معاشري وأصدقاء المرحوم، ولا شكَّ أن "عمار" كان في مجتمعه وبيئته رجلا فعَّالا متفاعلا، يصدق فيه قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: -"سيِّدُ القوم خادمهم"-.

v  وفاته:

بعد كبرِ سنِّه وعجزٍ في صحَّته أقعده الفراش أيَّما وشهورا، آثره الله تعالى إلى جواره الكريم يوم السبت: 18 صفر 1448ه، الموافق ليوم: 01 جويلية 2026م. رحمه الله برحماته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه، ورزق بلدتنا بريان من يخلفه في خيريته وكرمه وصلاحه ونشاطه. آمين.

 

*المصدر:

- الأستاذ: محمَّد بن باحمد ابن يامِّي.

- الأستاذ: السايح بن صالح الطالب باحمد.

بقلم: يوسف بن يحيى الواهج.

بريان، يوم الأحد 02 جويلية 2026م



[1] - السايح الطالب باحمد، مقابلة مع يوسف الواهج، يوم السبت 01 جويلية 2026م.

[2] - المصدر السابق.

[3] - محمَّد بن باحمد ابن يامِّي، كلمة تأبينية في عزاء الفقيد، يوم السبت 01 جويلية 2026م.

[4] - السايح الطالب باحمد، مقابلة مع يوسف الواهج، يوم السبت 01 أوت 2026م.

هناك تعليقان (2):

  1. للتذكير، تا يخ الوفاة 01 اوت 2026 عوض 01 جويلية 2026 رحم الله الفقيد و اسكنه فسيح جناته.

    ردحذف
  2. من فضلك صحح تاريخ الوفاة

    ردحذف