الخميس، 29 سبتمبر 2016

كتابات أدبية: رسالة إلى معلِّم ولدي

إلى معلِّم ولدي 

    سيِّدي المعلِّم، سيِّدتي المعلمة:

    لقد وضعتُ بين يديكَ فِلذَةَ كبِدي، وامتداد عمري، وآمال مستقبلي، فهو يقضي بينَ عينيكَ من الوقت أكثر ما يقضيهِ في أحضان أمِّه، أو تحت أنظار والده.
    فالأملُ فيكَ سيِّدي، وسيِّدتي، أن يجدَ ولدي فيكَ ما يملأ وطابَــه علمًا ومعرفة ورُشدًا ودينا وخلقا، وليكن عبدُكَ إن علَّمته حرفا في الدينِ والخلُق والأدب، أو في التاريخ والجغرافيا، أو في اللغة والبلاغة والمنطق، أو في أيِّ فنٍّ آخر.
    غير أنِّي يا سيِّدي، ويا سيِّدتي، أرجو من كليكما اليوم بإلحاح، أن تهذِّب، وتعلِّم، وتغرسَ، وتربِّي في ولدي الحسَّ الفنِّي، والملَكة الجمالية، والذوقَ السليم؛ فإنَّ ذلك ما نفتقده اليوم في أبنائنا وبناتنا، لأنَّ المنظومة التربوية في بلدي المغلوب على أمره، أصبح تركِّز على حشو التلميذ بالعلوم والمعرفة على أهمِّية كل العلوم والمعارف، ولكنَّها جاءت على حساب الجانب التربوي، الأدبي الفنِّي الجمالي فيه. وهذا ما جعلني أتوجَّه إليك سيِّدي المعلِّم، وسيِّدتي المعلِّمة.

    سيِّدي المعلِّم، سيِّدتي المعلِّمة:

    أتمنَّى أن يجدَ ولدي منكَ ومنكِ تعلُّما، واقتداء، وإعجابا، ومثَلا، لتربية معرفية أدبية فكرية راقية، تستوي بها حياتُه، وتتوازنُ شخصيته، وترتاح نفسيته، فينشأ حينا رجلا سويَّا، ينفع نفسه وينفع دينه ووطنه.

    فأتمنَّى أن يجد فيك شموخَ العزَّة في انتصاب قامتك، وارتفاع هامتك، وقوَّة شخصيتِك، من وقفتك أمامه في القسم، ومشيتكَ بين صفوف الفصل وساحة المدرسة، وفي معاملتك الطلاَّبَ والزملاء من الأساتذة، وحتَّى من تواجدك في الشارع.
    كما أتمنَّى أن يتعلَّم منكَ الأناقة والاهتمام بمظهره، فيحسنُ اختيار ملابسه وألوانها، وأشكالها، ويحسنُ اختيار تسريحات شعره، فلا يقعُ في أوحال التقليد الأعمى، وتجعل منه شخصية مخنَّثة لا همَّة له ولا إرادة، وتسلخه عن شخصيته ودينه وقيَمه.
    كما أتمنَّى أن يكتسب منك الذوقَ الجمالي من الحياة، من اللمسات الفنية الجمالية في القسم ومحيط المدرسة، بما تزيِّن به القسم من لوحات لمناظر طبيعية جميلة، أو آيات وأحاديث وحكَمٍ مختارة، أو أزهار ونباتات تضفي على القسم جمالية يتعلَّم منها الطلاب كثيرا، كما لترتيب المكتب وحسن اختيار محتوياته رسالة للابن؛ وبذلك سيكون ولدي جميلا يرى الوجود جميلا، كما قال الشاعر.
    إضافة إلى حاسَّة الذوق الفنِّي، والأذن السماعية السليمة الراقية الراشدة، التي سيفرِّق بها بين الكلمة الطيبة والبذيئة، وبين الجملة البليغة والعبارة الدنيئة، وبين النغمة الهمجية الصاخبة، والنغمة الجميلة الهادئة، ذات الكلمات الشاعرية الراقية.
    فحبِّب إليه العلم والمطالعة، واحترام العلم وأهله، واحترام الرأي الآخر، والبعد عن التعصُّب والتطرُّف في كلِّ أمور الحياة، جزاك الله خير الجزاء، إنَّه سميع مجيب.
    فما نحن بحاجة اليوم إلى حشو العقول بالمعلومات فقط، فللعالم لدى الدكتور ﭬـوﭬـل google ما يكفي العالم من المعلومات، مع ضرورة اكتسابها في عقول أبنائنا، وليس في حواسيبهم، ولكن نريد أن تعلوها الأخلاق الكريمة، والآداب الحسنة، والصفات الانسانية الراقية.
والعِــــــــلمُ إن لــــم تَــكْـــــتــنـــفْــه شَـمائل

تُـــعلـــــيه، كــــــــان مطـــــيَّــــةَ الاخــــــفاقِ
لا تَحــسِـــــــبنَّ العـــــلمَ يَـــــــنفعُ وحْـــــــدهُ

مَــا لـمْ يُـــــــــتــَـــوَّج ربُّـــــــــه بخَــــــــــــــــــلاقِ


بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق