السبت، 25 مايو 2019

شؤون إجتماعية: الشبهة التاسعة: زواج المزابية بغير المزابي


الشبهة التاسعة: زواج المزابية بغير المزابي

    هذا الموضوع القديم الجديد المتجدِّد، ويُطرح من حين لآخر من طرف أشخاص يختلفون في مستويات الثقافة والتفكير، كما يختلفون في مستويات الدرجات العلمية الأكاديمية؛ وحتَّى أصحاب المناصب الإدارية والسياسية لا يستنكفون أن يدلوا بآرائهم وموافقهم في الموضوع.
    قلتُ هذا، لأبيِّن للقارئ الكريم أنَّ هذا الموضوع بالذات، سدِّدت ولا يزال تسدَّد إليه سهام النقد والانتقاد من مختلف الزوايا والجوانب؛ من الزاوية الاجتماعية، والزاوية الثقافية، والزاوية العلمية، والزاوية السياسية، والزاوية الإدارية، والزاوية الدينية؛ وكلُّ هذه الأطراف، وهؤلاء الأشخاص لم يتناولوا هذا الموضوع أو (المشكلة عندهم) بمعالجة علمية نظيفة، وموضوعية منطقية حيادية، إنَّما تناولوه بشكلٍ سطحيٍّ مناسباتي، لتجعلَ منه سببا لمشكلة اجتماعية، أو مشاكل لم يستطيعوا تحديد أسبابها الحقيقية، أو لا يملكون الشجاعة للتصريح بها.
    وقد استهلكَ هذا الموضوع جهدا كبيرا، ووقتا ثمينا من الخائضين فيه، لأنَّ الخوضَ كان عشوائيا، لا أساس ولا منهج ولا أسلوبا علميا له يمكِّنهم من الخروج منه بنتيجة مفيدة. ولن تُحصدَ ولن تجنى أو تُطالَ نتيجة أو فائدة ما بقي الأمر في هذا فوضى مقتصرا على الاتهامات الباطلة والاشاعات المغرضة.

    وفي الحقيقة أنَّ هذا الموضوع لا يتمُّ الحديث فيه وسط الزوابع لـمَّا يثار فيها، ولا يتمُّ مناقشته بين كلِّ من هبَّ ودبَّ من الناعقين الهائمين في كلِّ وادٍ، إنَّما ينبغي أن يُبحثَ بين ذوي الاختصاص من كلِّ التخصُّصات التي لها صلة بالموضوع؛ وللموضوع علاقة وطيدة بعلوم الشريعة الإسلامية وفروعها، وبعلم الاجتماع، وبعلم النفس، وعلم الاستشراف المستقبلي، وعلم الاستراتيجيات التخطيطية.
    والسؤال يُطرح في أكثر الأحوال عن منع تزويج الفتاة المزابية بغير المزابي، وكثيرا ما أتلقَّى هذا السؤال نفسه، وإلى جانيه الشقُّ الثاني من السؤال، وهو: لماذا لا يقبل المزابيون أو يتحفَّظون من زواج الشابِّ المزابي بفتاة غير مزابية؟؟!!
    وأستسمحُ أغلبَ السائلين أنَّني لم أكن أردُّ على أسئلتهم في حينها، لأنَّ الجواب يحتاج إلى وقتٍ كبير، وبحثٍ عميق، ونفَسٍ طويل، واستعراض واستقلاب للأوجهِ العديدة من الوضع الاجتماعي والواقع المعاش ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا، وتقليب الموضوع على أوجهه العديدة، والنظر إليه من الزوايا المختلفة.
    وقبل كلِّ ذلك، علينا أن نبحثَ الموضوع انطلاقا من واقعه التاريخي والاجتماعي، فنسأل إن كان أمر التحفُّظ ومنع المرأة المزابية من الزواج بغير المزابي كان بقرار من مجلس دينيٍّ، أو هيئة عُرفية، أو مؤسَّسة اجتماعية، فصدر بشكل نظاميِّ ملزِم للمجتمعٍ كلِّه.
    وفي الحقيقة، لم أعرف ولم أطَّلع حتَّى اليوم على أمرٍ أو وَثيقة تُبتُ وتؤرِّخ لأمرٍ كهذا حدثَ في حقبة من التاريخ الطويل للمجتمع المزابي، لهذا أرجِّح أنَّ الأمر جاء من وعي اجتماعيٍّ، وقناعة شخصية عمَّت كلَّ أفراد الأمَّة المزابية، لدوافع عديدة مختلفة، يمكنُ أن نحصرها في عناصر كثيرة تمثِّل اختلافات جوهرية بين المجتمع المزابي والمجتمعات الأخرى، وهي تتمثَّل في:
01-        اختلاف في العرق المزابي الأمازيغي.
02-        اختلاف في اللغة المزابية الأمازيغية.
03-        اختلاف في المذهب الاباضي.
04-        اختلاف في القيم والمــُثل والعادات.
05-        اختلاف في النظام الاجتماعي المهيكل. (المسجد، العشيرة، ...).
06-        اختلاف في النمطِ المعيشي اليومي. (اللباس، الأكل، ...).
07-        اختلاف في الثقافة وأسلوب التفكير والمعاملة.
08-        اختلاف في النظام الأسري، ومكانة أفرادها. (الأب، الأم، الجد، الأبناء، ...).
09-        اختلاف في النظام التربوي التعليمي للأبناء. (الأخلاق، التعليم الشرعي، ...).
10-        اختلاف في تسيير الجانب المالي للأسرة. (الدخل، الاقتصاد، التخطيط، ...).
    وهي اختلافات جوهرية لها تأثيرات كبير جدًّا في إرساء الانسجام بين الزوجين، والاستقرار الأسري الذي يجمع بين الأبوين وأولادهما من جهة، وبين الأسرتين الكبيرتين المتصاهرتين من جهة أخرى، انسجاما كاملا يجمع الآباء والأمَّهات، والأجداد، والأولاد، والأحفاد على مدى السنين، وتقلُّب الأحوال والظروف.
    وقد يرى القارئ الكريم أنَّنا قد بالغنا في تحديد هذه الاختلافات وتضخيمها، وقد يستهين أو يستخفُّ ببعضها، أو يستقلَّ من آثارها السلبية.
    إلاَّ أنَّني أقولُ له مهلا أخي الفاضل، فكِّر مليَّـا في هذه الاختلافات وأسقط آثارها على كلِّ أسرة، تجد أن المشرِّع الإسلامي كان محقًّا لـمَّا اشترطَ الكفاءة في الزواج بين الرجل والمرأة. ولو يسمح الزمان والمكان هنا لبسطت الحديث وشرحتُ كلَّ عنصر من هذه العناصر على حدة. (فأتمنَّى أن أعود للموضوع يوما مَّا هنا أو في غيره إن شاء الله).
    فتخيَّل معي أسرةً تجمع هذه الاختلافات في وكرها، وتعيش بين هذه التناقضات كيف يكون حالها؟؛ حال الزوجة مع زوجها، وحال الأطفال مع والدَيهم، وأجدادهم، وكذلك حال الأسرة الصغيرة الناشئة مع الأسرة الكبيرة من جهة والأب، ومن جهة الأمِّ.
ومع ذلك، لقد وقعت زيجات عديدة من مزابيين بغير مزابيات (قبائليات، وعربيات، وأوروبيات، ..)، كما من مزابيات بغير مزابيين (قبائل وعرب) من داخل الوطن ومن خارجه.
-       فالسؤال إذن، هل هي زيجات ناجحة مثمرة أم لا؟؟.
    فبكلِّ صدقٍ وموضوعية، وبناء على أمثلة واقعية في الماضي والحاضر، أقول أنَّ أغلب الأغلب من هذه الزيجات لم تكن ناجحة، على نِسَبٍ مختلفة متفاوتة بينها.
    فمنها ما تحطَّم وسقط كيان الأسرة كاملا في سنواتها الأولى؛ ومنها ما تحمَّل المتاعب بصعوبة كبيرة الزوجان، من أجل المحافظة على كيان الأسرة ولمِّ شمل الأطفال، ومنها ما انهار بعد كبر الزوجين وعجزهما أو أحدهما وانصراف الأبناء إلى حياتهم الخاصَّة واكشاف أن أمرهما كان خطأ العمر لديهما، ومنها ما تسبَّب في قطع الأرحام بين الآباء والأبناء، ومنها...، ومنها....
    وما يجمع بين كلِّ هذه الأنواع، هو غياب السعادة الزوجية التامَّة، وافتقاد الانسجام العاطفيِّ الكامل بين الأطراف كلِّها، والكلُّ يعيش الغربة في الوسط الذي يحيا فيه؛ فالمرأة تشعر بالغربة في وسط وبيئة ومجتمع زوجها، والعكس صحيح. ولو يسمح الزمان والمكان هنا لاستعرضتُ أمثلة لذلك من واقعٍ حقيقيٍّ، وشهاداتٍ أدلى بها أصحاب هذه التجارب. (وقد أعود إليها يوما إن شاء الله).
    وقد لا أكون وفَّيتُ الموضوع حقَّه في هذه العجالة المختصرة، ولكن أعتمد هنا على عقل وذكاء القارئ ليمعَّن ويتدبَّر ويتخيَّل بين ناظريه حياة أسرة متكوِّنة من زوجين تحت سقف واحد، أحدهما يعيش في وسط غير الوسَط الذي نشأ فيه ودرجَ وتربَّى؛ ألم تذكر لنا الكتب أنَّ سيِّدنا سليمان عليه السلام كان يعاقب من يعاقب من رعيَّته بأن يحبسَه مع غير جنسه؟.

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق