الشبهة العاشرة: المقابر
الخاصة وقبر الموتى
يتساءل البعض عن رفض المزابيين قبر موتاهم في
مقابر عامَّة من التراب الجزائري، ويسعون دائما إلى اتخاذ مقابر خاصَّة بهم، سواء
في وادي مزاب، أو في أماكن تواجدهم، فيُتَّهمون بالعنصرية وعدم قبول الآخر،
والتعصُّب وغير ذلك من التهم التي تُطلق جزافا على المزابيين خصوصا.
وقبل أن أجيب على هذا التساؤل، دعوني أحكي
قصَّة واقعية حدثت في إحدى مدن مزاب، في زمنٍ غير بعيد، في النصف الثاني من القرن
الماضي؛ وهي:
أنَّ امرأة عربية مالكية المذهب اختارها الله
تعالى إلى جواره، فوجد أهلها أنَّها قد كتبت في وصيتها تريد أن تُدفن في مقبرة بني
مزاب، ولكنَّهم رفضوا رفضا قاطعا أن يتمَّ الأمر كما أوصت الفقيدة -والشرع يوجب
إنفاذ وصية الميِّت- فرفعوها إلى المقبرة العامَّة بالبلدة، وبسرعة وصل الخبر إلى
المشائخ الاباضية من البلدة، فاسرعوا إلى المقبرة لعلَّهم يستطيعون إقناع الأهل
على إنفاذ وصيَّة الهالكة امتثالا لشرع الله، ولـمَّا لم يستطيعوا ذلك شاركوا في
صلاة الجنازة، وأقاموا لها مجلس تلاوة مباركة للقرآن الكريم، ودعوا لها بالرحمة والغفران.
هنا من الذي يرفض الدفن في مقابر غيره،
المزابيون أم غيرهم؟؟!!
أمَّا بالنسبة لرفض المزابيين قبر موتاهم في
مقابر غيرهم، فهو ادعاء باطل يكذِّبه الواقع، وتدحضه الشواهد، منها على سبيل
المثال:
- كثير من المزابيين توفَّاهم الله تعالى في البقاع
المقدَّسة ودفنوا هناك، سواء في المدينة المنوَّرة، أو في مكَّة المكرَّمة.
- كثير من المزابيين شاركوا في الثورة التحريرية 1954م
بالجزائر، وشاء الله أن يستشهدوا في معاركها، فدفنوا في مقابر جماعية مع زملائهم
الشهداء، ثمَّ نُـقلت جثامينهم إلى المقابر التي خصَّصتها الدولة الجزائرية بعد
الاستقلال للشهداء.
- كثير من الجزائريين اختاروا الهجرة للعمل أو الدراسة في
بعض الأقطار من العالم، وطاب أو طال بهم المــُقام هناك حتَّى توفَّاهم الله،
فدفنوا مع غيرهم من المسلمين.
- وهنا في الجزائر العديد من المزابيين دفنوا في مقابر غير
خاصَّة بهم، من ذلك ما ذكر لي أحد الإخوة أنَّه في إحدى البلدات من ولاية معسكر
يوجد قبر لرجل مزابي، كتب على شاهد القبر: "يحي المزابي" وغيره كثير.
هنا نجد أنَّ الأمر ليس رفضا ولا كراهة ولا
تحريما كما يدَّعي البعض، إنَّما هو نظامٌ وعُرفٌ وتقليدٌ اجتماعي تعمل به أغلب أو
كلُّ المجتمعات، كما هو واقع بين أعيننا وأظهرنا، داخل وخارج الوطن.
فكثيرا ما يتوفَّى مواطن جزائري في فرنسا أو
غيرها من الدول، فيُنقل إلى الجزائر ليدفن في مسقط رأسه أو حيث تعيش أسرته، ونفس
الشيء يحدث إذا قضى مواطن يشتغل في العاصمة مثلا وهو في الأصل من منطقة أخرى،
ينقله أهله إلى مسقط رأسه ليدفنَ فيها قريبا من أسرته وذويه.
والغرض لدى الكلِّ هو أن يتمكَّن أهل وأبناء
وأقارب الهالك من زيارة قبره والوقوف عليه والدعاء له من حين لآخر؛ فليس المزابيون
في هذا الأمر بدعا عن غيرهم من المجتمعات؛ إنَّما الغرابة في أولئك الذين يرفضون
ويمتنعون إنفاذ وصيَّة موتاهم لأنَّهم أوصوا أن يدفنوا مع من يحبُّون.
والمقابر الخاصَّة أمر موجود على مرِّ العصور،
ويُعمل به في كلِّ أو أغلب الدول العربية، كمصر ولبنان وسوريا وغيرها من الدول، ومنها
ما هو عائلي، وما هو طائفي.
أمَّا اتخاذ المزابيين مقابر خاصَّة بهم في
موطنهم الجامع "وادي مزاب"، وحيث يتواجدون بكثافة من القطر
الجزائري وغيره، فالأمر لا يعدوا أن يكون تنظيما يفرضه النظام الاجتماعي الذي
يعرفه ويعيشه المجتمع المزابي على مرِّ القرون.
وهي أمورٌ تضفي حرمة وقداسة للمكان وساكنيه
من الأموات، وقد لا تتوفَّر في كلِّ المقابر الأخرى حسب الواقع المعاش في أماكن
عديدة، ممَّــا نتج ما نشاهده من حين لآخر على وسائل الاعلام، كتخريب ونبش القبور،
أو استخراج الجثث وبتر أعضاء منها لأغراض دنيئة مضرَّة بالمجتمع، أو اقتحامها من
طرف الحيوانات الضالة المختلفة، وغير ذلك من التصرفات المشينة والمسيئة للمكان
وأهله.
لهذا نجد المزابيين يحرصون دائما وفي كلِّ
مقبرة تخصُّهم على:
-
تسوير المقبرة بسور عالٍ متين، وغلق أبوابها بإحكام بالليل خصوصا، وفي
أوقات غير الزيارة.
-
تجهيز المقبرة بمَغسَل لتغسيل الميِّت، ومصلَّى لإقامة صلاة الجنازة،
وتقديم التعازي لأهل الهالك.
-
تجنيد قيِّم حارس أو أكثر، يرعونها بالنظافة والصيانة، وحمايتها وما فيها
من هياكل، من كلِّ ما يزعج ساكنيها، أو يعرِّض القبور والتجهيزات للنبشِ والتخريب.
-
تخصيص أوقاف لها، تساعد على تسديد ما يلزمها من مصاريف، كأجرة العاملين
والقائمين عليها، ومصاريف الصيانة، أو اقتناء تجهيزات، وغير ذلك من الضروريات.
-
تنظيم زيارة المسلمين للمقبرة، بحيث لا تتسبَّب في الاختلاط بين الرجال
والنساء، وكلِّ ما يخالف الشريعة الإسلامية.
-
تنظيم ختمات للقرآن الكريم، وتوزيع الصدقات، وما إلى ذلك.
إذن، فمن الظلم أن يتَّهم أحدٌ المزابيين
بالعنصرية والانزوائية، أو رفض المشاركة في قبر موتاهم بمقابر غير خاصَّة.
بقلم: يوسف بن
يحي الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق