عند موت المزابيِّ تطول أذناه
كِي
اِمُوتْ لَمْزَابِي يَطْوَالُو وذْنِيهْ، عندما يموت المزابي تَطولُ أذناه:
سمعتُ هذا الكلام الغريب الخيالي وأنا صغير، ولم أكن أفهم معناه، ولا مغزاه، وكم
كنتُ أستغربُ وأضحك على من يردِّده، كما على من يسمعه ويصدِّقه، فهو غير معقول
الحدوث أبدا منطقيا ولا فزيولوجيا.
ولـمَّا
وعيتُ واكتسبتُ ملكةَ المطالعة -بفضل من علَّمني- عرفتُ أصل هذه الجملة الغريبة
المضحكة، التي يتندَّر بها بعض الناس في مجالسهم، سخرية واستهزاء بالمزابيين،
بينما هي في الواقع والحقيقة محمدة ومفخرة لهم جميعا، أراد المغرضون والمرجفون
تحويلها إلى دعابة ساخرة.
وهي (أي الادعاء
المضحك) جاءت من مشهد شاهده جمهور العاصمة الجزائرية، عندما تولَّى المزابيُّون
هناك سنةَ 1518م، وبأمر من القائد: خير الدين بربروس الهجوم على كُدية
الصابون التي احتلَّها وتحصَّن بها الجيش الاسباني للهجوم على الجزائر واحتلالها.
عن هذه
الحادثة التاريخية، يقول الأستاذ: يوسف بن بكير الحاج سعيد: -"إنَّ خير الدين
باربروس لـمَّا أحسَّ بخطورة الموقف واحتلال كدية الصابون وإحاطة العدوِّ الاسباني
بمدينة الجزائر، استدعى إلى قصره الشيخ باحيُّو بن موسى، وهو من العطف، وأمين
المزابيِّين في الجزائر بكير بن الحاج محمَّد بن بكير، وهو من مليكة، وغيرهما من
المجاهدين المزابيين يستشيرهم. فأشاروا عليه بالقيام بعملية فدائية، قد يكون بها
إحباط المخطَّط الاسباني وانهزامه، فاتقوا معه على أن يقوموا هم بالعمليَّة. بعد
ذلك اجتمع المزابيون بفرن الشعبة، وهو موضع مسجد الاباضية بالعاصمة حاليا، تحت
إشراف أمينهم، فاختاروا من بينهم سبعين فدائيا، وقرَّروا حمل السلاح على النعش
والسير به إلى المعسكر الاسباني في حيِّ حسي داي الحالي، فذهبوا بالتهليل والتكبير
مخترقين لقوَّات العدوِّ على طول الطريق. وكان العدو يراقب المشيِّعين عن كثب،
فلـمَّا بلغوا بالجنازة الوهمية المكان المقرَّر صلوا عليها إيهاما للعدوِّ،
ولتنفيذ العمليَّة الفدائية، طلب رئيس الفرقة واحدا يقوم بنسف مستودع البارود في
المعسكر، فخرج إليه شخص يلبس عباءة من نوع اللَّتشْ (تصنعها المرأة المزابية من
الصوف، متعدِّدة الألوان، تنسج فيها عددا من الرموز والرسوم التقليدية) وأخفى
تحتها قرابيلة، فدخل بسرعة ومهارة في المعسكر الذي لا يحرسه إلاَّ قليل من الجنود
الإسبان، فنسف المستودع واستشهد، فالتحمت المعركة وأشعل الفدائيون النار في
المعدَّات الحربية والقوارب التي تصل الأسطول الإسباني بالشاطئ.
فلـمَّا
شاهدت قوَّات العدوِّ المتمركزة بكدية الصابون أنَّ المعسكر والقوارب تلتهمها
النيران انقسمت إلى نصفين: قسم أسرع لإنقاذ المعسكر وقسم يواجه ضربات المجاهدين
الذين فتحوا أبواب المدينة بعد العمليَّة الفدائية. ولم يكد ينجو من هذه المعركة
أحد من الاسبان. وقد تمَّ هذا النصر يوم الأحد 24 أوت 925ه/1518م. وفرَّ القائد
الإسباني (دُونْ هُوقُو) مع ما بقي من رجاله وسفنه. أمَّ الشهداء المزابيون فدفنوا
هناك في حي حسين داي الحالي."- (الطبعة
الثانية، ص: 79/80)
وكتب محمَّد
حمُّو عيسى النوري، عن هذه الدعاية المضحكة:
-"قرَّروا
أن يجمعوا سلاحهم في نعشٍ ويحملوه على الأعناق كما تحمل الجنازة إلى حي ليفيي من
أحياء حسين داي قرب المعسكر فذهبوا بالتهليل والتكبير مخترقين لقوات العدو على طول
الطريق، وكانت أطراف البنادق والسلاح الأبيض تظهر وهي مغطَّاة فوق النعش من الأمام
ومن هنا مصدر ما يقوله الأغبياء الجهلاء من الجزائريين
في عهد الاستعمار في معرض الاستفزاز أنَّ الميزابي إذا مات تكبر أذنيه
ذلك لجهلهم لحقائق تاريخهم المجيد وكان العدو يراقب المشيِّعين عن كثب فلـمَّا
بلغوا بالجنازة المكان المقرر صلوا عليها إيهاما للعدو."- (نبذة من حياة الميزابيين، الجزء الأوَّل، ص: 206).
إذن، فمن
الغباء والجهالة أن يقول أحدٌ إن المزابيَّ تطول أذناه عند موته.
بقلم: يوسف بن يحي الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق