الشبهة السادسة: المعاهدة مع المستعمر الفرنسي
يتردَّد على
بعض الألسنة والأقلام من حينٍ لآخر وصف، معاهدة الحماية التي أبرمها المزابيون مع
المستعمر الفرنسي، على أنَّها معاهدة العار، ومعاهدة الخيانة، ومعاهدة الاستسلام؛ وغالبا
ما تأتي هذه الأوصاف الحاملة للكثير من الادعاءات الكاذبة، من أشخاص محدودي
المستوى العلمي، قاصري التفكير، عاجزين عن على القراءة والرجوع إلى مصادر
المعلومات، وتحليلها وبحثها بمنطقية وموضوعية.
وكان من
المفروض والعرف ألاَّ يُردَّ على أمثال هؤلاء من أنصاف المثقَّفين، وسطحيِّي
الفكر، ولكنَّنا في عصرٍ سخَّر لكلِّ من هبَّ ودبَّ منابر ووسائل النشر والتوزيع
والإعلام، ممَّا أتاح الفرص للشائعات والتهم والادعاءات والأكاذيب أن تنتشر بين
الناس، حتَّ أصبحت هذه الوسائل والوسائط سببا لإثارة الفتن والحروب، وما أحداث
الربيع العربي عنَّا ببعيد.
لهذا أرى
أنَّه من واجب العقلاء، والحكماء، والعلماء، وأصحاب المعرفة الراسخة، والثقافة
الراقية، أن يتصدَّوا لحمَــلة المعاول ذوي الأقلام السامَّة، والصفحات الفتَّانة،
والمواقع الهدَّامة، فيردُّوا على أكاذيبهم وادِّعاءاتهم وما ينشرونهم من شبهات
حول الأديان، والمذاهب، والمجتمعات والأمم والشعوب. وإلاَّ أصبحت أكاذيبهم حقائق،
وادعاءاتهم ثوابت، وشبهاتهم علم وثقافة وتاريخ.
وبناء على
هذا، أحاول الردَّ على من يتَّهم المزابيين بالاستسلام والخيانة عندما أبرموا
معاهدتهم مع الفرنسيين بعد وصولهم إلى مدينة الأغواط، زاحفين إليها من الشمال
احتلالا واستعمارا ونهبا وتخريبا لكلِّ المدن التي دخلوها، واحدة تلو الأخرى.
فإذا كان
صغار العقل والفكر يرون في المعاهدة تلك خيانة واستسلاما وعارا، فهناك عمالقة
الفكر والثقافة والسياسة، والراسخون في علم الحرب والسلم، والمعارك والجبهات، يرون
فيها قمَّة الحكمة والسياسة وحسن التصرُّف.
فساسة
المزابيين لمـــَّا أقدموا على إبرام المعاهدة، رغم معارضة المشائخ ورجال الدين في
المجتمع المزابي، كما تقول لنا كتب التاريخ –"هنالك انقسم بنو مزاب إلى قسمين:
قسم أبدى استعداده لقبول شروط الوالي، وقسم المقاومة يتزعَّمه طلبة القرى، أثار
معارضة، أيَّدها المزابيون في التل. ولـمَّا أجرى هذا الفريق اتصالات مع الشريف
محمَّد بن عبد الله، فرضت السلطات الفرنسية حصارا اقتصاديا على مزاب، ممَّا أدَّى
إلى وقوع بلبلة في الآراء بين محبِّذٍ للإسراع في إبرام معاهدة الحماية، تحفظ
عوائدهم وتقاليدهم وتسيير أمورهم الداخلية بأيديهم، وهم الأكثرية، وبين نابذ معرض
لكلِّ صلة تصلهم بالدولة المشركة فرنسا، ولو أدَّى بهم الأمر إلى محق مزاب من
الوجود، وفي مقدِّمة هؤلاء قطب الأئمَّة الشيخ طفيش"- يوسف الحاج سعيد تاريخ بني مزاب، ص: 144.
قلتُ رغم تلك
المعارضة، ذهبوا باسم الأغلبية إلى إمضاء المعاهدة، لاعتبارات كثيرة، أهمُّها:
-
دفع انتقام الفرنسيين من المزابيين على مشاركتهم في مقاومة فرنسا بالشمال.
-
دفع انتهاك الجنود الفرنسيين لحرمات المواطنين وأعراضهم وأملاكهم، وقد
شهدوا وشاهدوا أفعالهم بالشمال، وما فعلوا بمدينة الأغواط خصوصا.
-
ذهبوا لإمضاء المعاهدة هناك، ليمنعوا دخول الجيش الفرنسي البلاد، وحماية
للبلاد والعباد والأعراض.
-
ذهبوا لإمضاء المعاهدة هناك، بعدما تأكَّدوا نية وعزم فرنسا على ضمِّ صحراء
الجزائر كلِّها، للوصول عبرها إلى أفريقيا العميقة.
-
ذهبوا لإمضاء المعاهدة بعدما تأكَّدوا أنَّ دورهم سيأتي مباشرة بعد مدينة
الأغواط، للاستيلاء على الامكانيات التموينية، ومراقبة التجارة العابرة للصحراء
الجزائرية.
فهم فعلوا ما
تمليه الحكمة القائلة: -"ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرِّ، إنَّما
العاقل الذي يعرف خير الشرَّين"-. وقول القائل: -"الحرب كرٌّ
وفرٌّ"-.
وكذلك فعلوا
وأبرموا المعاهدة لاتقاء الجرائم التي كان يرتكبها الجيش الفرنسي المستعمر في
المدن التي يدخلها، وقد رأوا بأعينهم ذلك في الجبهات المقاومة التي شاركوا فيها
بالشمال ومدينة الأغواط، من هذه الجرائم:
-
اتخاذ المساجد ثكنات يتحصَّنون بها، وقد يحولونها بعد ذلك إلى كنائس.
-
اقتحام المنازل عنوة، وكسر ما فيها، أو هدمها كلِّيا.
-
سرقة الأموال والأغراض الثمينة كالمصوغات والتحف والآثار.
-
سبي النساء وانتهاك أعراضهن أمام أعين الأهالي.
-
قتل المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال العزَّل.
وبقراءة
بسيطة في نصِّ ومحتوى المعاهدة، نجد فيها للمزابيين ما يلي:
-
حفظ البلاد.
-
احترام المعتقدات.
-
صيانة العوائد.
-
عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية.
-
تعيين نصيب كلِّ مدينة من الخراج الذي يدفع لفرنسا.
-
غلق أسواق المنطقة أمام الثوار.
أمَّا ما على
فرنسا، فهو:
-
حفظ النظام العامِّ.
-
رعاية حقوق الفرنسيين.
وإن رجعنا
إلى بعض المعاهدات التي أبرمها قادة المقاومات الشعبية عبر التراب الجزائري، نجد
فيها ما يتشابه في البنود والشروط مع المعاهدة التي أبرمها المزابيون مع الجيش
الفرنسي، ومن يريد التأكد، فليراجع ذلك في المصادر التاريخية المتَّصلة بالموضوع.
بهذه
المعاهدة عاش المزابيون في بلادهم حياة استقلالية في شؤونهم الداخلية، كما كانوا
يعيشون في عهد الدولة العثمانية، يسيِّرون أمورهم وشؤونهم الدينية والاجتماعية
والسياسية بأنفسهم، وحافظوا بذلك على مؤسَّساتهم الدينية، وأوقافهم المختلفة،
وتعليمهم الديني القرآني الخاص.
فلنفترض أنَّ
المزابيين لم يبرموا هذه المعاهدة الحكيمة -مكرهين- ودخل الاحتلال الفرنسيُّ
البلاد بجيوشه الجرَّارة، وقاومه المزابيون بكلِّ قوَّة وشراسة، وبكلِّ ما يملكون
من قوَّة وسلاح وعتاد، فهل سينتصرون؟!
وبعد سقوط
أكثر من نصف الجزائر في أيديهم، وفي ظلِّ اشتعال أكثر من جبهة عبر شرق وغرب
الجزائر، وضمن شعب أنهكته المعارك والثورات الشعبية هنا وهناك، فهل سينتصرون؟!
وفي ظلِّ
انقسام الشعب الجزائري إلى قبائل وعشائر، مختلفة في نظرتها للاحتلال أحيانا،
ومتنافسة على الزعامة أحيانا، وموالية للاستعمار أحيانا أخرى، فهل سينتصرون؟!
وفي ظلِّ
غياب الوحدة الوطنية الشاملة لمجابهة الاحتلال، وطغيان الطابع الإقليمي للثورات
الشعبية هنا وهناك، فهل سينتصرون؟!
وأمام غياب
الدعم الخارجي وسلبيته، سواء من الدولة المركزية في الأستانة، أو الدول العربية
والإسلامية، أو من طرف الدول الأجنبية الأخرى، فهل سينتصرون؟!
وبعد استسلام
الأمير عبد القادر الذي كان الأمل الكبير للشعب الجزائري، رغم إبرامه عدَّة
معاهدات مع الاحتلال الفرنسي، واستسلام أحمد باي بقسنطينة، وسقوط مدينة الأغواط
بين أعينهم، فهل سينتصرون؟!
وأثناء
كتابتي لهذه الفقرات عن موضوع هذه المعاهدة، تبادر إلى ذهني وجهُ شبَهٍ بين معاهدة
صلح الحديبية التي أبرمها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع كفَّار قريش،
وتذكَّرت بعض ما حفظته من بنودها، مثل:
-
موافقة رسول الله عليه السلام الاقتصارَ على كتابة عبارة: باسمك اللهمَّ،
بدل كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم.
-
موافقته على كتابة: محمَّد بن عبد الله. بدلا عن: محمَّد رسول الله. وهو
الرسول فعلا وإن كذَّبوه.
-
موافقته أن يُعيد إلى الكفَّار أيَّ رجلٍ يجيئه هاربا من مكَّة، ولو كان
مسلما.
-
موافقته أن لا يعيدوا إليه من يأتيهم من المسلين.
-
موافقته أن يعود من حيثُ أتى، ويؤجِّل حجَّه وطوافه بالكعبة إلى العام
الماضي.
وهذه البنود
كلُّها، وجد فيها بعضُ الصحابة غَبنا وظلما ومذلَّة للمسلمين، ممَّا دفع بعمر بن
الخطَّاب رضي الله عنه إلى أن يقول محتجًّا لرسول الله صلَّى الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: -"ألستَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقِّ
وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنيَّة في ديننا؟ أوليس كنت
تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟"- سليمان بن قاسم بن محمَّد العيد، فقه الدعوة في صلح
الحديبية، ص: 24.
بعد هذا، أليس من الظلم المشين، أن توسمَ
معاهدة المزابيين مع الاحتلال الفرنسي، بمعاهدة العار، والخيانة، والاستسلام؟؟!!
بقلم: يوسف بن يحي
الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق