الجمعة، 17 مايو 2019

شؤون إجتماعية: الشبهة الخامسة: دعوى النزوح من عُمان وتيهرت


الشبهة الخامسة: دعوى النزوح من عُمان وتيهرت
  
    يعتقدُ بعض الناس، أنَّ المزابيين نزحوا من تيهرت عاصمة الدولة الرستمية بعد سقوطها في سنة: 296ه/908م.  كما يعتقدُ بعض الناس أيضا، أنَّ المزابيين قد نزحوا من سلطنة عُمان في جنوب الجزيرة العربية.
    وإن سألنا هؤلاء، كيف تكوَّن، أو ممَّا تأسَّس لديهم هذا الاعتقاد؟ أجابوا: إنَّ المزابيين من أتباع المذهب الاباضي، وإنَّ الدولة الرستمية هي على المذهب الإباضي، فهم إذن نزحوا من تيهرت بعد سقوط الدولة هناك. وكذلك نزحوا من عمان لأنَّ نظام السلطنة العمانية على المذهب الاباضي، هذه حججهم وأدلَّتهم فقط لا غير.
    فبناء على هذا الادِّعاء الباطل، والتاريخ الخاطئ المضلِّل، الذي ينمُّ عن جهل أصحابه وتسرُّعهم في أحكامهم، ينادون أحيانا برحيل المزابيين إلى تيهرت وعمان.
    نُجيب هؤلاء على شبهة النزوح من تيهرت أوَّلا فنقول: إنَّ منطقة وادي مزاب لم تكن خالية يوما من السكَّان منذ آلاف السنين، ومن قبل تأسيس الدولة الرستمية طبعا، وليبحثوا إن شاؤوا كتب التاريخ، وليستنطقوا الآثار الناطقة فيها إلى يومنا هذا، إن في قمم الجبال وسفوحها حيث بقايا المساكن والقلاع والأبراج، أو الرسوم القديمة المنحوتة على الصخور في كهوف الجبال، وعلى ضفاف الأودية.

    وما نزوح بعض المواطنين من أتباع الدولة الرستمية إلاَّ فرارا بمذهبهم وأعراضهم وممتلكاتهم من ظلم الدولة الفاطمية؛ فانضمُّوا إلى سكَّان المنطقة التي يجمعهم بسكَّانها العِرق الأمازيغي، والدين الإسلامي، والمذهب الإباضي، واللغة الأمازيغية، والعادات الاجتماعية المشتركة بين الشعوب الأمازيغية، فانصهروا معا بسرعة وسلاسة دون أيَّة مشاكل سجَّلها التاريخ، أو ذكرها الرواة.
    وقد كانت المنطقة لبعدها عن مواقع الحروب والصراعات ملجأ للمضطهدين والمظلومين والملاحقين، كما حدث وأن التجأ إليها أحد سلاطين دولة في المغرب الأقصى لحماية أسرته خصوصا، وله في مدينة تاجنينت (العطف) دور أو قصور تسمى بـــ: تِيدَّار نُ جلِّيد. فلا غرابة أن ينزح إلى مزاب أشخاص أو جماعات مختلفة، فسكنوا وتعايشوا وانصهروا في الحياة العامَّة مع السكَّان الأصليين الأمازيغ للمنطقة.
    أمَّا عن نزوحهم (المزابيين) من عُمان، فهو ادعاء باطل، لا أساس له من الصحَّة، اختلقه الأدعياء المــُغرضون الجهلاء، ليجعلوا من المزابيين مجرَّد نازحين من هنا وهناك، ويكونوا بذلك غير أصلاء في المنطقة، وهم ينسبونهم إلى عُمان فقط لأنَّهم من أتباع المذهب الإباضي، مع العلم أنَّ المذاهب الإسلامية لم تكن تُصنَّف أبدا حسب الأوطان والمناطق، فكثيرا ما نجد أكثر من مذهب واحد في الدولة والمنطقة الواحدة.
    وإذا كان المزابيون قد جاؤوا من سلطنة عمان فأين -عدا المذهب- أثر أو دليل ذلك؟ سواء في اللغة، أو في العادات والتقاليد، ولا يوجد أيُّ تشابهٍ بين المزابيين والعُمانيين في أيِّ وجه أوجانب، حتَّى في الهيئة الفيزيولوجية، ولون البِــشرة.
    وقد أثار الأدعياء الجَهلة المفتنون، هذه الشبهة الخبيثة بحدَّة أيَّام الأزمة الإثنية الأخيرة في منطقة وادي مزاب، فهتفوا في وجه السكَّان الأصليِّين لمزاب: ارحل، ارحل، ارحل، ...
    وقد أجاب هؤلاء الغلاة حينها، أحدُ الشعراء المزابيين: الأستاذ عمر بن باحمد هيبة بقصيدة شعرية جميلة عصماء، تحمل في أبياتها الكثير من الإجابات البليغة على المـُغرضين أعداء الجزائر والجزائريين، أضعها اليوم بين يدي القارئ الكريم، ليطلع من خلالها على أصالة المزابين في الجزائر الوطن، ودورهم في النهضة والوطنية.


نعم أَرْحَلْ1

بِرَغْمِ الحُبِّ للبلَدِ المفدَّى سوف أرحلْ.
برغم الذكريات، ورغم تاريخي المفضَّلْ.
                                       سوف سأرحلْ.

سأرحل بعد كلِّ الخلق أَرحلْ فلا تعجل.
سأرحل بعد كلِّ جبالنا طبعا سأرحلْ.
فموعدُنا شروقُ الشمسِ، لكنْ من مغاربها،
                                       إذا بزغتْ سأرحلْ.

في اللحظة الأولى منَ الإشْراقِ أرحَلْ، تمهَّلْ،
فإنَّ الوقتَ أمضى ما يكونُ بنا وأسهلْ.
سأرحل بعد أن يفنَى الفناء، وينتهي أجلي المؤجَّلْ.
وبعد تحوُّلي للخلقة الأولى، وطينة خلقتي حجر وجدولْ.
                                                  سأرحَلْ.

سأرحَلُ بعدَ أنْ تهوى النجومُ جميعُها،
وتذوبُ في اللاَّمنْتَهى، حينا سأَرحلْ.
إن كنتَ بالأمسِ القريبِ مرحَّلا،
أَو كُنتَ لاَ تدْري، أَلاَ تَسألْ ؟؟
فَلا تخْجَلْ، لأنَّكَ جاهلٌ مِنْ أَينَ جئتَ،
إلَى متَى تبْقَى مرحَّلْ.

مَنْ شيَّدَ الأبراج والأسوارَ،
في زمنٍ مضَى وقضَى، وأبذلْ.
مَنْ فجَّر الآبَارَ عَينًا طافحا،
وَسقَى النخِيلَ به، فصار اليوم أطول.

إنَّه جدِّي! توسَّد ها هنا حجرا،
وصلَّى ركعتينِ له،
وعن حِمَى بلَدِي تَجنْدَلْ.
يقْتاتُ منْ جَزَرٍ وخَردَلْ.
زَرَع الأدِيمَ، وليسَ يمْلِكُ غَيرَ مِسْخاةٍ ومنجَلْ.
وليس يُرعِبُهُ إذَا مَا ثارَ في الصحْراءِ قَسْطلْ.
                                        ألا تسألْ فتخْجلْ ؟!

فَلاَ تَعْجبْ، فإنَّ القومَ مِنْ زَمَنٍ
أَمَازِيغٌ غِلاظٌ لا يصاحِبُهمْ مُغفَّلْ.
بِلا شرْعٍ، بِلاَ عهْدٍ، بِلاَ سِفْرٍ مُنزَّلْ.
فاحْذَرْ جُنُونِي، أَو جُنُوحِي، إنَّني من نَسْلهِمْ.
فالطبْعُ أغْلَبُ، والحِجَى شَيءٌ يُؤَجَّلْ.

غَضَبِي يُسَاوِي ألفَ قُنبُلَةٍ وَمِرْجَلْ.
إِحْذَرْ سرَاحَ الحرِّ، و الشهمِ المكبَّلْ.
هَاذِي تَعَارِيفِي وأَورَاقِي وتَاريخِي المُبَجَّلْ.
وَعَنْ أَصْلِي وإِفريقِيتِي، اسْأَلْ يُوغُورطَةَ،
أَو أَبِي يوبا العظيمَ، أوْ حنَّبعلْ
 فإنَّني من نَسْلهِمْ، والنسْلُ أَبْقَى في المكَانِ،
                                          فلا يُبدَّل أو يحوَّلْ.

إِذَنْ، فارحَلْ وَلاَ تَخْجلْ،
ستَبْقَى في الحياةِ فتًى مُرحَّلْ.
إِرحَلْ بخَيمتِكَ القَديمَة،
لَسْتَ تملِكُ غيرَ مِعْزَاةٍ وَبِرْدَعَةٍ ومِحْمَلْ.

سَأَبْقَى ها هُنَا أَبَدًا وَأعْمَلْ.
وأبْقَى رَغْمَ أَنْفِكَ مَا تَرَنَّمَ ها هُنَا "قَسَمُا"
وَحُبِّي للجزَائِرِ في دَمِي قَدْ تَأصَّلْ.
لاَ يُسَاوِي الأرضَ أَوْسِمةَ وألْقَابًا وأَفْضَلْ.

فلَنْ أَرْحَلْ، وَلَنْ أَرْحَلْ، إذَنْ فارْحَلْ.

                                                          كلمات الأستاذ: عمر باحمد هيبة
                                                           بنورة - غرداية - فيفري 2014

----------------------
 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق