الأربعاء، 19 يوليو 2023

شخصيات: أحمد بن بكير بن محمَّد أبو العلا رجل الميادين ونجم المحافل

 

أحمد بن بكير بن محمَّد أبو العلا

رجل الميادين ونجم المحافل

خفيفُ الظل، خفيفُ الروح، خفيفُ الجسم.

راشدُ العقل، واسعُ الخبرة، راجحُ الحكمة.

    إنَّه الرجل الحيويُّ البشوش البسيط، أمين الحضارة والتراث المحلِّيين، الفاضل: "أحمد بن بكير بن محمَّد أبو العلا".

    أصيل مدينة القرارة بولاية غرداية ووليدها في يوم 14 أفريل 1943م، وفيها نشأ وترعرع في حضن والده، وحجر والدته الفاضلة، الحازمة، الصارمة، الملتزمة بدينها، وقيمها، وأصالتها (رحمهما الله).

    وهي التي قامت بدور الأب المسؤول أحسن قيام، خلال سنوات غيابه عن البلدة سعيا في الأرض، وطلبا للرزق والقوت الحلال؛ إضافة إلى دور الأمومة في إرضاعه ورعايته وتعليمه مبادئ الحلال والحرام، ومعرفة الجنَّة والنار، والطيِّب والقبيح، والخير والشرِّ.

    التحق للدراسة بمدرستي "الحياة القديمة" و"ابن خلدون الرسمية" فأخذ من الأولى ما يَصلح به دينُه وشخصيتُه وأخراه، ومن الثانية ما تستقيم به حياتُه الدنيوية وشؤونها المختلفة.

    تزوَّج في أفريل سنة 1964م، وأنجب من الذكور ثلاثة رجال: محمَّد، ويحي، وبكير. ومن الإناث أربع أمَّهات: فافَّة، وخديجة، وباية، وعيشة. حفظه الله لأبنائه وبناته، وحفظ له أبناءَه وبناتِه، وقرَّت بهم عينه وعين حرمه المصون. آمين.

    وما أن بلغ من العمر أربعة عشر عاما حتَّى ألزمته ظروفُ الحياة وشظف العيش، إلى خوض غمار العمل وكسب القوت، فوضعه حظُّه الجميل بين يدي الحرفي الأمين، والصناعي الماهر، النجار المعروف: "الحاج عبد الله بن بكير حريز" (الزوَّاري)، فكان لأحمدَ الشابّ المربِّي الأمين، والمعلِّم المخلص، والمرشد الناصح، أكثر من أن يكون له رئيس عمل (لَمْعَلَّمْ).

    فبقي في جنبه ثلاثة عقودٍ كاملةٍ (30عاما)، تعلَّم خلالها من الحاج عبد الله حريز (رحمه الله)، حرفةَ أو مهنةَ النجارة كاملة، بأساسياتها، وقواعدها، وخباياها، وأسرارها المهنية.

فلا غرابة أن يصدُرَ صدقُ التعليم، وإخلاصُ التربية، وروحُ الأبوَّة من السيِّد الفاضل "الحاج عبد الله حريز" -وهو أهل لذلك- ولا غرابة أيضا أن يصدُر صدقُ الوفاء، وصريحُ الاعتراف بالفضل، وخالصُ الدعاء بالرحمة للمعلِّم من الابن الروحي والتلميذ البار "أحمد أبو العلا".

    وللأبوَّة الراعية من الحاج عبد الله حريز، وبوعيٍ من والدة أحمد ورغبتها الأكيدة الملزِمة على ولدها أن يبقى مع معلِّمه ومدرِّبه، إلاَّ أن يستقلَّ بحركة أو ورشة خاصَّة به، وكانت تقول له: "لاَشْ أوفُوغْ سَ ازَّوَّاري غِي بَتَّـا تَدْجِيدْ شْرَا إِيمَانَتْشْ" أي: "لا خروج لك من عبد الله الزوَّاري (حريز) إلاَّ إذا أسَسْتَ حركة خاصَّة بكَ" لهذا -طاعة لأمِّه-كانت تلكَ الثلاثين سنة متواصلة ومترادفة. فرضع الحرفة كما يرضع الوليد الحليب من صدر أمِّه، فكان فيها ماهرًا، متقِنًا، مبدِعا، فنَّانا، وأصبح أشهر من نار على عَلَم.

    ومِن حرفة النجارة، ومِن عشقه للخشب، ومِن حبِّه لتراثه، ومِن اندماجه في مجتمعه، ومِن حيويَّته ونشاطه، ومِن خفَّة روحه وحماسه، ومِن بساطته وتواضعه، ظهرت وتأصَّلت فيه هوايات جميلة، واهتمامات راقية، أصبحت منه إنجازات نافعة، وبصمات رائعة، وأعمال خالدة سيسجِّلها التاريخ وتذكرها الأجيال.

    وقد تفتَّقت فيه هذه الهوايات والمواهب بصفة خاصَّة بعد تأسيسه الورشة الخاصة به في سنة 1984م، منها على سبيل المثال:

-      جمع القطع التراثية المحلِّية:

    الجميل في هذه الهواية، أنَّه يجمع كلَّ قطعة تراثية في طريق الاندثار خوفا منه عليها من الانقراض الكلِّي من الحياة اليومية الاجتماعية، سواء في ميدان الفلاحة والزراعة والريِّ والبستنة، أو في ميدان النسيج ومراحله، وأدواته التقليدية، أو الطبخ ولوازمه وأوانيه، ... وغير ذلك.

    وهذا ما وجدته بالفعل في ورشته البسيطة جدًّا، والجميلة جدًّا بما تضمُّه من تراثٍ يثير في كلِّ مزابيٍّ ذكريات أو أحداثا، أو تاريخا.

-      ترميم وبناء الأبراج:

    له فضلٌ كبير في إحياء بعض الأبراج التي تهدَّمت بفعل فاعل، كالذي قام بهدمه الحزب الواحد أيَّام زمان غابر، أو لسبب أو يدٍ أخرى، كبُرج "إينورال" الذي أُعيد بناؤه في شهرين (جوان وجويلية 1990م)، وبرج "أضهراوي أشرقي". إضافة إلى أبراجٍ أخرى قام بترميمها.

-      بناء ديكور الآبار التقليدية:

    في هذا المجال، تجلَّت بصمته في البئر التي بناها وزيَّنها في "ساحة إينورال" هي اليوم زينة ومعْلم الساحة، ومزار اجتماعي في مختلف المناسبات، خاصَّة في عيد الربيع "أَزِّيَّارتْ".

-      غرس النخيل:

    قد لا يُحصى عدد النخيل التي قام بغرسها في جهاتٍ، وساحات، وشوارع، مختلفة من مدينة القرارة، وله من أجر العمارة، والانتفاع، والاستظلال ما شاء الله. وهي اليوم تزيِّن المدينة، وتخلِّد له الذكر. تقبَّل الله منه، آمين.

-      التصوير وتوثيق الأحداث:

    وهواية التصوير كانت فيه منذ شبابه، وإن تخلَّى أو تقاعس عنها مؤخَّرا لسنِّه وصحَّته، إلاَّ أنَّه قد جمع ووثَّق وأرَّخ بالصورة للعديد من المناسبات الاجتماعية، والعديد من الشخصيات البارزة في المجتمع، حتَّى أصبح الرصيد الذي يملكه بين يديه المصدر الأوَّل، وربَّما الوحيد لجانب تاريخي اجتماعي حافل.

    ولهذا أصبح أحمد أبو العلا مقصد الباحثين ونشطاء الجمعيات والعشائر والأفواج الكشفية أكثر من مرَّة لإثراء المعارض والاستقبالات المختلفة.

    ومن غرائب أساليبه في التوثيق للأحداث خاصَّة، الكتابة على جدران ورشته، بقلم الرصاص الذي يستعمله في عمله، يوثَّق حادثة وقعت في البلدة، أو انطلاق عمل يقوم به، أو ما شابه من مجريات اجتماعية أو ثقافية أو أحداث مهمَّة.

v  صفاته ومميِّزاته:

    الجدِّية في العمل: جادٌّ في عمله، صارم في تعاملاته، لا يقبل التهاون والتراخي في العمل، سواء في عمله بالورشة، أو في أعماله التطوُّعية الأخرى؛ حتَّى من لا يعرفه جيِّدا يعتقد أنَّه صعب المراس والمعاشرة.

    الانضباط الزمي: يَعرف عنه من تعامل معه، أو عاشره وخالطه أنَّه شديد الانضباط بالوقت، وله في يومياته محطَّات قارَّة في أزمانها ومواقيتها، لا تتغيَّر بتغيُّر الفصول ولا الظروف، من ذلك على سبيل المثال، فطور الصباح بالورشة يُضبط دائما على الساعة التاسعة صباحا (9:00سا) لنصف ساعة، لا ينبغي أن تزيد ولا أن تنقص.

    وقد سمعتُ عنه هذا من قبل، وكان ذلك بالفعل يوم دخلتُ ورشته لزيارته ومقابلته هذه، فتعمَّدتُ الدخول عليه على التاسعة تماما، فوجدتُ والله لحظتها ابنه البار "يحي" يضع إبريق الشاي على المائدة. فازداد إعجابي بالرجل أكثر من ذي قبل.

    الأمانة والثقة: صفة أصيلة فيه، عليها تربَّى ونشأ وعمل، فيكفي أن أقصَّ عليك أخي القارئ الكريم، حادثة واقعية عاشها بنفسه، ولا أظنُّ أنَّ شخصا قد عاشها يوما.

    إنَّها قصَّته في سجن الأغواط الذي دخله مظلوما إثر أحداث الشغب التي أثيرت على خلفية مباراة كرة القدم في القرارة سنة 1975م، حيث قدَّم نفسه بعد خمسة عشر يوما من دخوله تلك الغياهب إلى مدير مؤسَّسة إعادة التربية على أنَّه حرفيٌّ في النجارة، وعرض استعداده للعمل في تخصُّصه، فرحَّب به المدير وكلَّف من يأخذه إلى ورشة النجارة التابعة للمؤسَّسة الموجودة خارج السجن، وبعد بضعة أيَّام قليلة اكتسب ثقة المدير والحراس فصار يخرج صباحا من السجن ويعود إليه مساءً دون مراقبة ولا مرافقة.

    هذه الحادثة حيَّرت الجميع في المؤسَّسة، مسجونين ومسؤولين، مستغربين منه العودة اليومية إلى السجن وعدم التفكير في الهروب مثلا. (الحكاية منه فيها تفاصيل كثيرة ومشاعر جميلة قد نعود إليها يوما مَّا).

    خفة الروح والحماسة: هي من أهمِّ صفاته، جعلته مطلوبا كثيرا في مختلف المناسبات الاجتماعية، كالأعراس، والرحلات، وحملات التطوُّع (تْوِيزَة) وأعياد الزيارة (عيد الربيع)، لما يضفيه على تلك التجمُّعات من حيويَّة ونشاط وحماس، بأسلوب يجعل الحاضرين أكثر عطاء وإقبالا على العمل الخيريِّ المتطوِّع، وتجعل النتائج أكثر.

    وبهذا، ولهذا أحبَّه القائمون على هذه البرامج الخيرية الاجتماعية التطوُّعية، وأصبح ضروريَّ الحضور ومن المدعوِّين الأساسيِّين.

    ختاما، الحديث عن هذا الرجل الفاضل، المتميِّز بكثير من الخصال والمميِّزات، لا ينتهي عند هذه الفقرات، وتمنَّيتُ يعلم الله أن أغوص أكثر في أعماق قلبه ونفسه، وأستجلي مكامن فكره أو أفكاره، ولكنَّ موعدًا آخر كان يلاحقني منعني أن أستجيب لدعوته الكريمة الملحَّة لتناول وجبة الغذاء معه ومع ابنه وساعده الأيمن يحي.

    وقبل الإنصراف، سألتُ السيِّد أحمد:

-      بمَ توصينا، وتوصي شباب اليوم؟

    أجابني باختصار:

-      أوصي الشباب بالمحافظة على التراث المادِّي واللامادِّي، فبه نكون أو لا نكون، وبه ندوم أو لا ندوم.

    ودَّعت عمِّي أحمد، وأنا أرغب في البقاء معه لولا الظروف، شاكرا له حسن الاستقبال، وسعَة الصدر، والتكرُّم بالمعلومات التي قدَّمها.

حفظكَ الله وأبقاك، ونفع بكَ وبجهدك القرارة ومزاب والجزائر

 

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

بريان: 19 جويلية 2023م

*تمَّت الزيارة الإثنين 16 جويلية 2023م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق