السبت، 11 مايو 2019

شؤون إجتماعية: الشبهة الثالثة: الطاقية البيضاء


الشبهة الثالثة: الطاقية البيضاء

    من أغرب وأقبح وأغبى الاتهامات الباطلة المضحكة المبكية في سلسلة الأباطيل التي تُطلق على المزابيين، تلك أطلقها أحدهم مؤخَّرا، وقعتُ عليها أثناء تجوالي بين صفحات الموقع ا

لاجتماعي الفايسبوك (face book-"صفحة غارداية" صفحة جزائرية عربية- على صورة تحمل حديثا مفبركا مضحكا عن الطاقية البيضاء، أو الشاشية (اتْشَاشِيتْ) التي يتميَّز بها المزابيون، ولمـــَّــا اطلعت على محتواها وقرأت ما جاء فيها تملَّكني الضحك على ما جاء فيها من مغالطات وترَّهات مضحكة.
    ويقول فيها صاحبها: -"شاشية الخوارج الإباضيين: هي قصَّة لم يسمع بها أحد لكن نقصها عليكم: في وقت فرنسا وبينما كانت تلك الاتفاقية المشؤومة بين المستعمر الفرنسي والاباضيين الخوارج تقضي بأن لا يشارك الإباضيين في المقاومة أو الثورة التحريرية المجيدة مقابل حماية المستعمر الفرنسي لممتلكات وتجارة الخوارج الإباضيين وكان ذلك لهم بحيث استمرت الأمور بشكل عادي لكن عندما كان بعض الإباضيين يخرجون خارج غرداية أو خارج الجزائر لغرض جلب سلع وما شابهها لتجارتهم فإذا به يتعرضون للقتل وتنهب أموالهم من طرف العسكر الفرنسي في الحواجز (الباراج بالفرنسية) وهذا ما لم يقبله الاباضيين من نقض للمعاهدة من طرف شقيقهم الفرنسي المستعمر إن صح التعبير فاجتمع شيخهم بيوض مع الحاكم الفرنسي أو الجنرال جاك سوستال حيث صرح ان عساكرهم لا يستطيعون التفريق بين المالكي والاباضي المخلص لفرنسا فاهتدى شيخهم بيوض إلى فكرته الجهنمية وهي كل من يلبس قبعة بيضاء هو إباضي لا تقربوه فوافق ملعون فرنسا على الفكرة ومنذ ذلك الوقت جاءت فكرة القبَّعة واصبح الإباضيين الخوارج يلبسون القبعة البيضاء أي الشاشية بدعوى أنها رمز ولكن الحقيقة هي أنها تمييز وإشارة بأنهم اباضيين يثبتون ولائهم للمستعمر الغاشم فلا تقربوهم ومنذ ذلك الوقت كل من يرتدي قبعة بيضاء في غرداية لن يمسسه العسكر الفرنسي ومن لا يرتديها فالقتل او التعذيب له وبدليل عام الحصار في القرارة او ما يعرف بعام السلك الذي  كانت أحداثه بالقرب من مقر الحماية المدنية حاليا بالقرارة حيث كان العسكر الفرنسي يتوجه للذين لا يرتدون ويقومون باعتقالهم القبعات ويقومون باعتقالهم وتعذيبهم ليخبروا عن مكان المجاهدين الأحرار بينما سخر الاباضيون نسائهم وحسناواتهم للعسكر الفرنسي للهو والسمر ومنذ ذلك الوقت بقي الخوارج يرتدون ذلك الرمز رمز النجاسة والخداع والخيانة هذا الدليل من مجاهد قديم لا ولن نذكر اسمه تحفظا لكي تعلموا يا اخواني الجزائريين حقيقتهم"- 1
    ضحكتُ بملء فيَّ، عندما قرأت هذه الخزعبلات السخيفة التافهة، التي لا تصدر إلاَّ عن جاهل غبيِّ، يهرف بما لا يعرف، وقول ما يفقه؛ وهذا ما يتجلَّى من منشوره هذا الذي يمتلئ بالأخطاء اللغوية، وتنعدم فيه الحقائق التاريخية، ويعلوه التزوير من كلِّ جانب، وبقدر ما أضحكني المنشور، أحزنني أن يصدر هذا من خرِّيج المدرسة الجزائرية، يعيش في القرن الواحد والعشرين من الميلاد، ويفقه استعمال الوسائل التقنيات الرقمية الحديثة.
    كما ضحكت من جرأته الصبيانية على استغباء واستحمار واستغفال قرَّاء وروَّاد المواقع العنكبوتية والشبكات الاجتماعية، يحسبهم جميعا مثله، يلبسون مآزر الجهالة، ويسبحون في مستنقعات الجهل والحقد والكراهية والعصبية.
    وإنَّ شخصا على هذا الحضيض من العلم بل الجهل، لا ينفع معه الردُّ العلمي المنهجي، ولا النصح والتوجيه، ولا ما نكتب له مباشرة معتمدا على مصادر ومراجع متوفِّرة ومنتشرة؛ ومع ذلك نضع أصابعنا على المغالطات الكثيرة، والإشاعات الباطلة التي حشا بها منشوره على صغره، ليتوقَّف عندها غيره من القرَّاء، ونردَّ عليها بإيجاز على أمل أن يبحث المنصفون من العقلاء -وما أكثرهم ولله الحمد- عن الحقيقة من مظانِّها ومصادرها.

    ومن هذه المغالطات، نذكر ما يسمح به زمان ومكان هذه اليومية الرمضانية:

1-  بداية أقول: إنَّ المنشور موضوع الحديث عن شاشية الخوارج الاباضيين، جاء لقيطا دون إمضاء، ولا مصدر له إلاَّ الصفحة الفيسبوكية الزرقاء التي نشرته –"صفحة غارداية"- وهذا يدلُّ أنَّ كاتب النصِّ لا وجه له يقابل به الناس، ولا شجاعة يجابه بها خصومه، ولا ثقة له في نفسه، ولا يقين له فيما يكتب؛ ومثل هذه النصوص، وهؤلاء الأشخاص لا يُردُّ عليهم ولا يعبأ بهم ولا بما يكتبون.
ولكنَّني فضَّلتُ مخالفة العرف والمنطق والمنهج العلمي، لأضع ملاحظاتي حول ما جاء في هذا، ليس ردًّا على صاحبه المجهول، وإنَّما توضيحا لغيره من الناس، ومنعا مِن أن تشيع الفاحشة بين المسلمين، وتبيانا وتبيينا لما جاء به هذا الفاسق، كما أمرنا الله تعالى.

2-  جاء في بداية ورقته النتنة بالفتنة: -"الخوارج الاباضيين"- وهذه إشاعة قديمة، واتهام باطل في حقِّ أتباع المذهب الاباضي، وفي حقِّ المزابيين أظلم وأشد، عندما يأتيهم من الجيرة في الوطن الواحد؛ وهو تنابز تداولته الأجيال من العامَّة الهائمة سماعا، وتناقله الناس مشافهة من فمٍ إلى أذن (de bouche á oreille)، دون أن يكلِّف نفسَه أحدٌ من المردِّدين الببَّغاء أن يبحث ويتحقَّق ممَّـا ويردَّد له، أو يردِّده هو بنفسه.
ولكنَّهم قوم لا يقرأون؛ ولا يكلِّفون أنفسهم جهد البحث والتحقيق واكتساب العلم والمعرفة الصحيحة من مصادرها، ويكتفون ممَّا يصل إليهم مشافهة وتلقينا ولو على الشوارع والأرصفة. وتلك آفة من آفات العلم.
فأتمنَّى أن يقرأ صاحب هذه الصورة المنشور ما كتبناه حول الإشاعة الباطلة "الاباضية خوارج"، في صدر هذه اليومية الرمضانية تحت عنوان: الشبهة الأولى: المزابيون خوارج. فقد يغيِّر رأيه، ويرفع عن نفسه وزر أو أوزار الظلم في حقِّ إخوانه في الإسلام، ونظرائه في الإنسانية، وأشقَّائه في الوطن والوطنية.

3-  وجاء في المنشور: -"قصَّة لم يسمع بها أحد"- أراد الدعيُّ الجاهل الغبيُّ، أن ينسف بقصَّةٍ لم يسمع بها أحد، قصَّةً سمع بها كلُّ احد؛ وأراد أن يطمس بها قصَّة حفظتها الأسفار، وشهدت بها  وعليها الأبصار، وعمَّت عدَّة أقطار.
فأدعو هذا الببَّغاء إلى قراءة القصَّة الحقيقية الموثَّقة تاريخيا للشاشية أو الطاقية البيضاء، وليرجع إلى المصدر المذكور إن شاء التحقيق والتحقُّق، ورغب في المعلومة الصحيحة الموثَّقة. فليس من طبع المزابيين أن ينسبوا تاريخهم إلى مجاهدٍ قديم ولا يذكرون اسمه، ولا أظنُّهم يرضون أن يكون لهم تاريخ مجهول النسب.

4-  وجاء في المنشور: -" الاتفاقية المشؤومة بين المستعمر الفرنسي والاباضيين الخوارج تقضي بأن لا يشارك الإباضيين في المقاومة أو الثورة التحريرية المجيدة مقابل حماية المستعمر الفرنسي لممتلكات وتجارة الخوارج الإباضيين."-، أنا متأكِّد أنَّ كاتب المنشور لم يطَّلع على الاتفاقية المبرمة بين المزابيين والمستعمر الفرنسي، ولو على جزءٍ منها، ولم يكلِّف نفسه أن يبحث عنها ويطلع على محتواها؛ خاصَّة وأنها منشورة في العديد من الكتب، وترجمت إلى لغات كثيرة.
فإن كانت مشؤومة، فهي مشؤومة عليه وعلى أمثاله من ذوي القلوب المريضة، وإنَّما هي -الاتفاقية- كانت صلاحا وحكمة وحنكة وخبرة تصرَّف بها المزابيون آنذاك، وسعد بها مزاب كلُّه لسنوات عديدة، إلى أن غدرت بهم فرنسا ونقضت المعاهدة. ففرنسا يا كبير الأغبياء لو وجدت مصلحتها في المعاهدة لما نقضتها بعد ثلاثين عاما فقط.
والمعاهدة هذه قد منحت المزابيين الاستقلال الذي فرَّط فيه غيرهم، أو غُلبوا عليه في المناطق الأخرى من الجزائر، وإنَّها والله لَحكمة تصرَّف بها المزابيون أمام مستعمر غاشم ظالم، زحف على الجزائر كلِّها يريد ابتلاعها؛ فحفظوا بها دينهم، ومساجدهم، وأوقافهم، وقضاءَهم، ومؤسَّساتهم، وشيوخهم، ونساءهم، وأطفالهم، وأعراضهم، وأملاكهم، و....، ولا ينكر هذا إلاَّ جاهل غبيٌّ مشلول العقل والتفكير.
ولمن يرغب في الاطلاع على نصِّ المعاهدة، أضع بين يديه هذا الرابط:2

5-  وجاء فيه أيضا: -" ومنذ ذلك الوقت بقي الخوارج يرتدون ذلك الرمز رمز النجاسة والخداع والخيانة"- إذا كانت الشاشية البيضاء رمزَ نجاسة وخداع وخيانة كما وصفها هذا الدعيُّ البلدي، فكيف نصف الطاقية أو الشاشية التي كان ولا يزال يضعها المسلمون على رؤوسهم في اغلب بلاد المسلمين وفي الجزائر، قبل وأثناء وبعد الاحتلال الفرنسي.
فما عليه إلاَّ أن يستعرض صور العلماء والمشائخ والوجهاء في سجلِّ الخالدين من تاريخ الجزائر وغيرها، كشيخ المجاهدين عمر المختار، والشيخ أبي بكر الجزائري، والشيخ عبد القادر ﭬـسوم، وغيرهم كثير وكثير.
فهل هؤلاء المشايخ الأفاضل يرتدون رمز النجاسة والخداع والخيانة.؟!!

6-  وختم منشوره بقوله: -"هذا دليل من مجاهد قديم لا ولن نذكر اسمه الحقيقي تحفظا"-، هذه والله مسبَّة ومذمَّة للمجاهدين كلِّهم، إذ لم نكن نعرف أنَّ المجاهدين كانوا يوما معاول هدمٍ للوحدة الوطنية، وكسر لِلُحمة الأمَّة، وهم الذين هبُّوا ونهضوا وثاروا لبناء الوطن ومحاربة المستعمر الذي حمل لواء فرِّق تَسُد لأكثر من قرنٍ من الزمن ولم يفلح، ثمَّ يأتي هذا الغبي لينسب هذه الشهادة الفنِّية لأحد المجاهدين الأشراف.
وتمنَّيت لو حاسب المجاهدون هذا الخبيث على ما نسب إلى أحدهم بتهمة بثِّ الفرقة في صفوف الشعب الجزائري، وإشعال نار الفتنة بين صفوفه المتلاحمة، في وقت كانت فيه جبهة التحرير الوطني تعمل جاهدة على توحيد الشعب ورصِّ صفوفه. خاصَّة وأن الخبيث المفتن لم يذكر اسم المجاهد الشاهد حسب قوله، لأنَّ ذلك يجعل كلَّ المجاهدين في قفص الاتهام.
ولكنَّ صاحب المنشور كذَّابٌ أشر، وفتَّان خبيث، فنسبَ الشهادة إلى مجاهدٍ قديم، وامتنع عن ذكر اسمه تحفظا، ولست أدري تحفُّظه ذاك من ماذا؟. ألا لعنة الله على الكاذبين.

    والآن، أضع بين يدي صاحب المنشور وغيره من مروِّجي هذه الشبهات والأباطيل عن المزابيين، لجهلهم، أو غبائهم، أو حقدهم، القصَّة الحقيقية التاريخية للشاشية البيضاء؛ وهي في نفس الوقت تفيد الاخوة الكرام من المثقَّفين الباحثين عن الحقيقة، والقراء، وروَّاد الشبكة العنكبوتية.
    والقصَّة أنقلها حرفيًّا من كتاب: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة، صفحة: 184، للكاتب الكبير الاستاذ: علي يحي معمَّر، أثناء حديثه عن العلاَّمة: أبي محمَّد عبد الله بن سعيد السدويكشي3.
    "كان شيخ الجزيرة في ذلك الحين أحد أبناء أبي الجلود الذين توصَّلوا إلى الحكم عن طريق الرشوة، والكيد وتقديم الأموال، وأقام الرجل في دار الحكم ينتظر أن يحتفل به الناس، وأن يلتفُّوا حوله، وأن يعمِّروا مجلسه، وأن يتودَّدوا إليه، وأن ينقلوا إليه أخبار الناس، وأن يعرضوا عليه مشاكلهم، فلم يكن يأتيه اللهم إلاَّ  أشياخ الحارات في مواعيد الضرائب يحملون إليه ما فرض على الناس كاملا مستوفى، دون شكوى من أحد، وبقي الرجل في فراغ، فكان يتساءل عن السبب حتَّى أخبره أحد الناس، أنَّ أهل الجزيرة تعوَّدوا أن يرجعوا بمشاكلهم إلى علمائهم الذين يتمتَّعون باحترامهم وتقديرهم، وإنَّ أعلم علمائهم في هذا الحين الذي يرجع الناس إليه هو أبو محمَّد عبد الله السدويكشي، وغضب شيخ الجزيرة في نفسه وظنَّ أنَّ التفاف الناس بهذا الرجل استهانة بمنصبه ومقامه، فدعاه إليه ولـــَّـمـا اجتمع به وسمع منه، أكبره وأكبر علمه وأظهر من الاحترام ما يليق بمثله، وانصرف أبو محمَّد من مجلس شيخ الجزيرة.
    ودخل الوشاة الذين لا يحلو لهم إلاَّ أن يحسدوا الناس على ما أتاهم الله من فضل، فقالوا لابن أبي الجلود: ما زدت أن رفعته فوق مكانه، وأصبح هو والي الجزيرة الحقيقي، ولو شاء أن يدعو الناس إلى قتلك أو غير ذلك لاستجابوا له مختارين، وعملت الوشاية في صدر الوالي عملها فدعا إليه الشيخ من جديد وأراد أن يظهره بين الناس في مظهر المستهان به المحتقر، فأمره أن لا يلبس على رأسه إلاَّ طاقية بيضاء من القماش مثل ما يلبس الأطفال تحقيرا له وتشهيرا به، وامتثل الشيخ لأمر الوالي ولبس الطاقية البيضاء حتَّى اشتهرت به، واشتهر بها، وشاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى، أن تكون هذه العقوبة أو هذا التشهير الذي أراد به الوالي تحقير أبي محمَّد سبب تكريم لهذا النوع من اللباس.
    إذ لم يمض غير زمن قصير حتَّى كانت الطاقية البيضاء من القماش، هي الزيُّ الرسمي أو اللباس الخاص برجال العلم ورجال الدين، فأصبحت هي لباس العزَّابة والطلبة، وقد انتقلت هذه الفكرة من الجزيرة إلى الجبل، وإلى الجزائر، وإلى جميع مواطن الاباضية في المغرب الاسلامي.
    ولو أتيح للقارئ الكريم أن يزور وادي مزاب في الجزائر فإنَّه سوف يجد جميع العزابة والطلبة لا يلبسون على رؤوسهم إلاَّ طاقية بيضاء من القماش فهي زيُّهم الرسمي الموحَّد، وقد احتفظ الطلبة المزابيون بهذا الشعار في جميع مظاهر النشاط حتَّى أنَّ فرق الكشافة كانت تحتفظ به كلباس للرأس في جميع رحلاتهم ومخيَّماتهم حيثما أقيمت، وكان لها من الجمال ما بعث الاعجاب في نفس رئيس الجمهورية الأوَّل فأثنى عليها وأبدى استحسانه لها."

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

----------------------------
1-                الصورة منشورة على الفيسبوك، صفحة: غارداية، صفحة جزايرية عربية. على الرابط التالي:


3-               الاباضية في موكب التاريخ، الاباضية في الجزائر، صفحة: 184.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق