الشبهة الأولى: بنو مزاب خوارج
يتلذَّذ
الكثير من الناس، خاصَّة بعض الجزائريين، أن يطلق على المزابيين مصطلح الخوارج؛
رغم أنَّهم يدفعون عن أنفسهم هذا المصطلح، ولا يرضونه لأنفسهم كمزابيين، ولا
إخوانهم في المذهب كإباضيين، ويصرِّحون بذلك منذ القديم، في أكثر من مناسبة، ومن
على كلِّ منبر يعتلوه، وعلى لسان كلِّ مشائخهم وعلمائهم، القدماء والمحدثين،
وبأقلام كلِّ كتَّابهم ومؤرِّخيهم قديما وحديثا، ونفس الشيء يفعله الاباضية عامَّة
حيثما كانوا ووجدوا، باعتبار أنَّ المزابيين ينتمون إلى المذهب الاباضي.
ولكنَّ بعض
الألسنة المغرضة لا تزال مصرَّة أن تعتبر أنَّ الاباضية فرقة من فرق الخوارج
الضالَّة، رغم ادعائها العلمَ والبحث وسعة الاطلاع، والنية الحسنة المخلصة في
توحيد المسلمين وجمع كلمتهم، ولكنَّهم غير ذلك يفعلون، وغير ما يدَّعون يحقِّقون،
وما أشبههم بأولئك الذين قال فيهم الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ
تُفْسِدُوا فِي الأَرضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحنُ مُصْلِحُونَ أَلاَ إِنَّهُم هُمُ
المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
فلو كانوا
ذوي أنفسٍ ونوايا صافية لتعاملوا بمنطق علميٍّ منهجيٍّ مع المصطلحات، وأسقطوها على
أصحابها بصدق وإنصاف؛ ولصدقوا في ادعائهم السعيَ إلى الوحدة ورصِّ صفوف المسلمين،
لامتنعوا عن كلِّ ما يثير الفتنة بين المسلمين، ويبثُّ الفرقة فيهم، بتكفير هذه
الفرقة وتلك حسب أهوائهم.
ولكنَّهم
جعلوا من مصطلح الخوارج بيدق شطرنج يتلاعبون به حسب الأهواء والأغراض وزيغ القلوب،
ويلصقونه بكلِّ من لا يلائم أهواءهم، مذاهب كانوا أو فرق وحركات مختلفة، ولا يزال
مصطلح الخوارج يلصق حتَّى بالحركات النشطة سياسيا وتنادي بالتغيير في بلدانهم،
فتوسم بالخوارج لأنَّها تزعج وتقض مضاجع الأنظمة والحكومات وذوي المصالح.
كما قال الأستاذ: حمُّو محمَّد عيسى النوري: -"من
حيث نجد عنصر الخوارج منها عنصرا طريفا عصي المراس يتخذ من أفكار المؤرخين في كل
عصر مجرى جديدا في منعطفات السياسة وفجوات العنصرية فهو دوما قابل للتحويل كأحجار
الشطرنج يحولها اللاعب حسب مهارته ولا يكاد يهتدي إلى إحلالها في أماكنها بالتمكن لا
بالصدفة أو كصيد في عالم أُنُف كل صائد يزعم ان ما صاده كسب لم يسبق إليه واللوحة
الفنية جلية امامهم ابدعت رسمها ريشة الواقع الجبار"-.1
ولا يتسع
مجال يوميتنا هذه للحديث عن هذا المصطلح بالتفصيل، والتعريف به وإمكانية إسقاطه
على الاباضية والمزابيين من عدمها، لهذا أفضِّل أن أوجِّه الإخوة القراء الكرام،
ومن يريد الاستزادة ومعرفة الحقيقة في هذا الموضوع، إلى كتب الاباضية التي يدفعون
فيها عن أنفسهم هذا المصطلح، منها على سبيل المثال: كتاب: "الاباضية في
موكب التاريخ"، للكاتب القدير: علي يحي معمَّر، وكتاب: "نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية
والعلمية"، للأستاذ: حمُّو محمَّد عيسى النوري.2
إنَّما هنا
في هذه اليومية، أريد أن أوكِّد باختصار، أنَّ المزابيين إباضيُّون كسائر
الإباضيين المنتشرين في أنحاء العالم، وهم مثلهم لا يعتبرون أنفسهم من الخوارج
أبدا، ويدفعون عنهم هذه الصفة، كما يدفعها سائر الاباضية في كلِّ أماكن تواجدهم.3
فالنصيحة،
والرجاء أوجِّهه إلى كلِّ المسلمين، وإلى الجزائريين خصوصا، أن يتَّقوا الله في
إخوانهم المزابيين، فيمتنعوا عن إثارة الفتنة بين الجزائريين بهذا المصطلح "الخوارج"،
ليفرِّقوا بها الأمَّة، ويشتِّتوا صفوفها، في زمن هي أحوج ما تكون إلى الوحدة
والتآلف والتآزر.
بقلم: يوسف بن يحي الواهج
1-
نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، الجزء الأوَّل، صفحة:
2-
عدنان إبراهيم، يشهد أنَّ الإباضية ليسوا خوارج، أنظر الرابط:
3-
شهادات عدد من العلماء على أنّ الاباضية ليسوا من الخوارج:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق