الجمعة، 28 يوليو 2017

شؤون إجتماعية: تَامَكْرَاطْ (الماشطة)

تَمَكْرَطّْ – الماشطة

    تَمَكْرَطّْ، إسم فاعل لمصدر الكلمة: أَكْرَاضْ في اللغة المزابية، ومشطَ في اللغة العربية الفصيحة.
ومنذ القدم، وإلى عهدٍ قريب، كانت تُعرف الماشطة في المجتمع المزابي بـــ: تَايَّــا، وتعني: الأمَة، التي كانت-كما في كلِّ المجتمعات والشعوب توجد ضمن نظام العبودية والعبيد- موجودة في المجتمع المزابي.
    وكان المجتمع المزابي يسندُ إليها (تَــايَّـــا) مهمَّة الاشراف على الفتاة أيَّام عرسها، فتتفرَّغُ لخدمة العروسة، والقيام بكلِّ شؤونها، وتلبية حاجياتها، وحفظ خصوصياتها، ورعايتها ليلا ونهارا، ومرافقتها إلى بيت عريسها، وخدمتها هناك بتفانٍ وإخلاصٍ، خاصة في الجانب الجمالي الزيني منها، فتمشط لها شعرها بتسريحات تقليدية، تَكَنْبُوشْتْ، تَخَلُّوفْتْ، إِكَنْبَاشْ، لْمَفْتُولْ، ...
    وكانت هذه الماشطات (تَــايَّــا) تتوزَّع بين العائلات أو العشائر من كلِّ بلدة من بلدات وادي مزاب، وقد تشتركُ أكثر من عشيرة أو عائلة في ماشطة واحدة.

    وتُعتبر هذه الماشطات، أمينات على عادات وتقاليد المجتمع إلى عهدٍ قريب جدًّا، ولا يَزَلنَ كذلك إلى يومنا هذا في بعض البلدات المزابية، خاصَّة في ما يتعلَّق من هذه العادات بالخطبة والزواج والولادة، وما تحمله من مراسيم وطقوس وعادات وتقاليد جميلة، توارثتها الأجيال عبر العصور والأيَّام.
    وفي الفترة الأخيرة تناقص عددُ الماشطات من الرعيل الأوَّل تِـــــــيّْوِينْ، جمع تَــايَّــا.
    ومع تزايد النموِّ الديمغرافي للسكَّان، واتساع الرقعة الجغرافية لمدنِ وقرى مزاب، أصبحت الحاجة إلى الماشطات المتخصِّصات البارعات في خدمة العرائس، الحافظات للعادات والتقاليد، المتقِنات لعملهنَّ بصدقٍ وإخلاص، إضافة إلى اللائي قضينَ نحبهنَّ، فأصبحت الحاجة إلى جيل جديد من مثل هذه الخادمات الفاضلات: -"سيِّدُ القوم خادمهم"-.
    قلتُ، أمام تزايد الحاجة إلى هؤلاء المضحيَّات، تجنَّد لهذه المهمَّة جيلٌ جديد من النساء المخلصات، شابَّات، وكهلات، وكبيرات فاضلات، يقمنَ بمثلِ ما كان الجيل الأوَّل يقوم به، مع الاضافات الكمالية الجمالية التي تفرضها الحياة العصرية الحديثة.
    مع كلِّ هذا، لا يمكن أن نقول إنَّ هذه الفئة قديما أو حديثا كاملة فوق الانسانية لا يخطئن، فقد تصدر من إحداهنَّ من الأخطاء ما قد يصدر من كلِّ البشر: -"كلُّ ابن آدم خطَّاء ..."-، إلاَّ أنَّ المجتمع يتصدَّى كعادته لكلِّ خطإ أو انحراف يظهر في المجتمع، فتصدر هيئة العزَّابة حكمها في القضيَّة، مهما كان نوعه أو مصدره، وقد يكون الحكم منع الماشطة عن مزاولة مهمَّتها، ومنع المجتمع من التعامل معها.
    والماشطة، أو تَمَكْرَاطّْ تقوم بعملها تضحيةً وإحسانا، لا تريد من ذلك جزاء أو شكورا، إلاَّ ما يُقدَّم إليها مما يقدَّم إلى المدعوين والضيوف الوافدين على العرس للدعاء والمباركة.
    أسأل الله تعالى أن يحفظ هذا الجيل من الماشطات، ويرحم المتوفِّيات منهنَّ، آمين.
    كما أسأله تعالى أن يحفظ لهذا المجتمع كيانه وقيمه، وما ذلك على الله بعزيز.


بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق