أَسمَّاعْ
أَسمَّاع، أو
المسمِّع الذي يُسمِعُ الفتاة العروسة في ليلة زفافها، قبل انتقالها إلى بيتِ
زوجها، امتثالا للأمرِ الشرعيِّ، الذي يوجِبُ استئذان المرأة في زواجها، حسب ما
جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ
حَتَّى تُسْتَأْذَنَ".
وهو، أي المسمِّع، شخصٌ عاقلٌ، راشدٌ، صالحٌ،
تعيِّنه حلقة العزَّابة من بين أعضائها، فيقومُ بهذه المهمَّة في البلدة كاملة،
ويمرُّ على كلِّ عروسةٍ في ليلة زفافها، سواء اتصلَ به وليُّها أو لم يفعل، فهو
يعلم بكلِّ زيجة تُعقد في البلدة، لأنَّها تمرُّ ضرورة عبر الحلقة، أثناء التحضير
للعرس عند تعيين يوم الزفاف من طرف العريس، بالتنسيق مع حلقة العزَّابة، فهم الذين
يشرفون على كلِّ أفراح البلدة، ويسرِّفونها بالحضور.
فانطلاقا من مسؤولية حلقة العزَّابة على
الحياة الاجتماعية في الحاضرة المزابية كلِّها، يتوجَّه الشيخ الفاضل (أَسَمَّاعْ)
إلى بيت العروسة حيث يقام العرس، بعد صلاة المغرب، أو صلاة العشاء.
وفيه يجد وليَّ العروسة في انتظاره فينادي
والوليُّ على أمِّ العروسة، أو ماشطتها (تَايَّة) لتُحضِرَ العروسة إلى خلفِ
الباب، من حيث تسمع الرجلَ (أسَمَّاعْ) ويسمعها هو أيضا.
فإذا حضرت، يقول لها الشيخ بصوتٍ مرتفعٍ
تسمعه العروسة:
-
أنتِ فلانة بنت
فلان بن فلان؟.
تسكتُ العروسة ولا تجيب استحياءً، فيكرِّر
الشيخ قوله مرَّة ثانية، فتجيب العروسة في المرَّة الثانية، وإلاَّ في المرَّة
الثالثة، بصوتٍ مسموع عند الشيخ، فتقول:
-
نعم. إِيهْ
حمَّالِيكُ.
فيقول الشيخ:
-
إنَّ والدَكِ قد
زوَّجكِ على سنَّة الله ورسوله، للشابِّ: فلان بن فلان بن فلان؛ هل أنت راضية؟
تسكتُ تتمنَّع العروسة عن الإجابة مرَّة
أخرى، فيكرِّر الشيخ السؤال ثانية وثالثة، فتجيب الفتاة العروسة قائلة:
-
نعم رضيتُ.
إِيــهْ حَمَّالِّيكْ رَاضِيغْ.
وقد تردُّ العروسة على الشيخ بالرفض (وهذا
نادر الوقوع)، فيخبر الشيخ وليَّ الفتاة برفض وليَّته لهذا العريس ويطلبُ منه
إيقاف العرس، ويعلن على بطلان هذا الزواج على مستوى حلقة العزَّابة.
وإن سكتت الفتاة ولم تجِبْ بشيء، بعد طرح
السؤال ثلاث مرَّات، وإن شاء زاد، يتقصَّى الشيخُ ويستفسر عن سبب سكوتها، بواسطة
أقارب اسرتها؛ فإن تبيَّن أن العروسة كان سكوتها رفضا للزواج من العريس، أمر
بإيقاف العرس، وأعلن ببطلان الزواج.
هذه العادة، كانت شرعا عَرفيا سائدا في وادي
مزاب كلِّه، إلاَّ أنَّه قد بدأ يتقلَّص العمل به في بعض المدن على تفاوت، وبقيَ
التمسُّك به على مستوى بعض العائلات القليلة.
ولا أستبعد أن يكون تخلِّي المجتمع عن هذا
العرف، سببا من أسباب تفكُّك الأسر، وانتشار الطلاق، خاصَّة بين الزيجات الشابة؛
فعندما لا تسأل الفتاة العروسة وهي في لحظة تحوُّل كبير في حياتها، تعيش لحظات
تفكير عميق، وحوار نفسي ذاتي داخليٍّ صريح، وتحوُّلٍ مصيري في حياتها، تعيش فرحتها
في جوٍّ استعراضيٍّ تساق فيه بشكل آليٍّ إلى عريسها، بقرار من المحيط الأسري
والمجتمعي، وليس بقرار سياديٍّ منها.
وعندما يأتي السؤال من طرف ممثِّل أهمِّ
وأرفعِ وأعلى هيئة دينية في البلدة، في تلك اللحظات المهمَّة جدًّا في حياة
العروسة، ينفثُ في روعها أنَّ الأمر جدٌّ، والزواجَ مسؤولية كبيرة وعظيمة، بعيدة
عن الفرح الذي يسوده غناء الصبايا، وزغاريد النساء، ومشاهد الرقص والضحك.
فلا شكَّ أنَّ جوابها يعد سكوتها التأمُّلي،
مع كلِّ مرَّة يُطرحُ عليها السؤال، يكون جوابا صادقا، ومسؤولا، صادرا عن قناعة.
لهذا أتمنَّى أن يعودَ المجتمع كلُّه إلى
أصالته، خاصَّة في مثل هذه الأعراف الصالحة، التي تجسِّد شرع الله تعالى، ولا
تخالفه في شيء، وتمنع النسيج الاجتماعي الأسري كوارث الطلاق وتشتت الأبناء.
بقلم:
يوسف بن يحي الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق