الخميس، 29 يونيو 2017

كتابات أدبية: لا يا أخي، رسالة مفتوحة

لا أخي

رسالة مفتوحة إلى الأستاذ: عمر أولاد عمارة 

    فضيلة الأستاذ: السلام عليكم ورحمة الله.

    تفضَّل عليَّ أحد الأصدقاء الكرام بذاكرة وميضية (FACHE DISC) لأستمع إليه، جزاه الله خيرا؛ فوجدتها صادرة عن مؤسَّسة الضياء الدعوية، وهي تحتوي على ثلاثين حلقة، أُريدَ لها أن يسمع منها المتابع حلقة كلَّ يوم، لتكون له زادا معرفيا لشهرٍ كامل.
    وفي اليوم التاسع من هذه السلسلة اليومية، وضمنَ فقرة التنبيهات للأستاذ: عمر أولاد اعمارة (حفظه الله) التي يصحِّح فيها بعض الأفعال والأقوال الصادرة من بعض المسلمين، وهي ليست من الإسلام في العقيدة، أو العبادات، أو المعاملات، وهو لعَمري عملٌ وجهد ونصح مشكور ومأجور عليه إن شاء الله.
    واستوقفني في هذه الفقرة التنبيه الثاني الذي يتحدَّثُ فيه عن عادة متوارثة في المجتمع المزابي، فألبسها لباس الدين والعقيدة حتَّى حرَّمها وجعلها من الشرك أعاذنا الله من الوقوع فيه، وهي: -"رمي الماء والحنَّاء وراء المسافر"-.
وهذا ما دفعني إلى حمل يراعي هذا، وبسط قرطاسي، لأخطَّ إلى الأستاذ الفاضل: عمر أولاد أعمارة هذه السطور، فأقول له:


لا أخي


    لقد حفظتُ ممَّا علمتُ فضيلة الأستاذ، أنَّ الإسلام لـمَّا جاء على يدِ وقلبِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وانتشر شرقـًا وغربـًا إلى مجتمعات مختلفة الثقافات والمعتقدات والأعراق، ولم ندرِ أنَّ الإسلام أنكر على هذه الشعوب والمجتمعات شيئا من عاداتها وتقاليدها، وثقافاتها وتاريخها، ولغاتها ولهجاتها، إلاَّ ما كان منافيا ومتعارضا مع العقيدة الإسلامية التوحيدية، حتَّى جعل العلماءُ والفقهاءُ والقضاة المسلمون العرفَ والعادة في المجتمع (أيِّ مجتمع) مصدرا من مصادر التشريع.
    ولقد سجَّلت الموسوعات الفقهية الإسلامية العديدة، الكثيرَ من الأحكام والقوانين والتشريعات إقرارا لواقع وعرف وثقافة المجتمع، أو استنباطا منها.
    وما هذه العادة –"إفراغُ الماءِ والحنَّاء وراء المسافر"- في مزاب، الذي أعرفهُ ونشأتُ فيه، كما تعرفونه أنتم ونشأتم فيه فضيلة الأستاذ، إلاَّ عادة كغيرها من العادات، وجدناها تمارَس في المجتمع المزابي إلى عهدٍ قريبٍ في بعض المدن، وإلى يومنا هذا في بعضها الآخر، وقد كانت سائرة يُعمل بها منذ قرونٍ عديدة في كلِّ المجتمع المزابي.
    وعليها، وفيها، نشأ آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا رحمهم الله تعالى، وقد كانوا كلُّهم مسلمون، فيهم طلاَّب العلم، ومنهم الحفظة لكتاب الله تعالى، والعلماء والمشائخ الراسخون في العلم، أمثال:
-       الشيخ عمِّي سعيد الجربي.
-       والشيخ أبو زكرياء الجنَّاوني.
-       والشيخ عبد العزيز الثميني.
-       والشيخ أطفيَّش قطب الأئمة.
-       والشيخ ابراهيم بيوض.
-       والشيخ بالحاج قشَّار.
    وغيرهم كثير وكثير. ولم نسمع أنَّ أحدهم قال شفاهة في أحد دروسه، ولم نقرأ لأحدٍ منهم أثرا تركه في أسفاره، يَـــذكرُ هذه العادة بنقد يسيئها، أو يلبسها لباس الشرك أو التطيُّر.
    لأنَّ العادة –"إفراغُ الماء والحنَّاء وراء المسافر"- كانت في بساطتها -كما تجري أمام أعينهم، ربَّما في بيوتهم، لهم أو لأحد أبنائهم أو أقاربهم- فعلاً أو تقليدًا اجتماعيا يحملُ مصلحة، ويحقِّق غاية، ويؤدِّي رسالة، ولم تكن يوما، ولم يقل أحدٌ قبلكم، أنَّ الناس يعملون بها تطيُّرا وإشراكا بالله تعالى كما وصفتموها فضيلة الأستاذ.
    إنَّما هي كما نعلم، ولا شك تعلمون أنتم أيضا، وعَلِمه الأوائل رحمهم الله، أنَّها (أي العادة) تقوم بها الأمَّهات والزوجات والأخوات والبنات، ضمنَ عرفٍ وسيَرٍ ونظامٍ كان العمل به جارٍ في المجتمع المزابي إلى عهدٍ قريبٍ، ليعلمَ من خلاله القائمون على شؤون البلدة، خاصَّة منهم رجال الحراسة واليقظة الليلية (لْعَسَّتْ-تِشْلِي) أنَّ صاحبَ البيتِ قد سافر سفرا طويلا، فيولون اهتمامهم للبيت، ولأهل البيت، بالرعاية والخدمة والنصح المسؤول.
    ولا تنسَ فضيلة الأستاذ، أنَّ المجتمع المزابي في الماضي، كان الرجال فيه يعتمدون لكسب القوت على الاغتراب لفتراتٍ طويلة جدًّا، تُعدُّ بالسنوات، لا بالشهور والأيَّام كما نعدُّها في أيَّامنا هذه.
    لهذا استغربتُ واندهشتُ فضيلة الأستاذ، أن تتَّهموا –بإضفاء لباس الشرك والتطيُّر على هذه العادة- أمَّهاتِنا وزوجاتِنا وأخواتِنا وبناتِنا، وكلَّ مجتمعنا بالشركِ والتطيُّر، أو تتَّهموا وترموا العلماء والمشائخ السابقين لكم بالتقصير في النهي عن هذا الفعل لو كان شركا كما زعمتم.
    ولدينا في المجتمع المزابي –كما في غيره من المجتمعات- عاداتٍ وتقاليدَ في مختلف مناحي الحياة، تحمل رسائل تربوية، وتحقِّق مصالح اجتماعية نبيلة، علينا أن نحافظَ عليها لفضلها وخيريَّــتها ونجاعتها؛ وإن انحرفت عن مسارها والأهداف التي جُعِلت ورسِمت لها، كان علينا أن نصحِّح ونقوِّم اعوجاجها وانحرافها، لا أن نُلغيها ونكفِّرها، ونكفِّر العاملين بها.
    أخيرا، فضيلة الأستاذ: عمر أولاد أعمارة، أرجو أن يسعَ قلبُكم الواسع ملاحظتي هذه، ولا تفسدُ وُدَّ الأُخوَّة التي تجمعنا في الدين والوطن. ويبقى احترامي وتقديري لكم دائمين إن شاء الله، ومعذرة إن قصَّرت في حقِّكم، أو تطاولتُ على علمكم.

ابنكم البار المحبُّ: يوسف بن يحي الواهج

                                                                         الجزائر: الأربعاء 29 جوان 2017م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق