الأربعاء، 21 يونيو 2017

شؤون إجتماعية: المطويات البتراء

المطويات البتراء


    في بداية هذا الشهر الفضيل، اقتنيتُ من مركَّب المنار العامر بالحميز، مطوية بعنوان: "مفطرات الصوم" وزَّعها بمناسبة شهر رمضان المبارك، وهي ذات قيمة عالية، وراقية جدًّا بما تحملهُ من معلومات مفيدة وأحكام شرعية ضروريةٍ لكلِّ صائم، حتَّى لا يقع في ما يفسد صومه، وينغِّص عليه الأمل في شهر الرحمة والمغفرة والعتقِ من النار.
    ولكن، لـمَّا بدأتُ تقليب المطوية بين يديَّ، وقراءة ما جاء فيها، أطلقتُ عليها مباشرة لقبَ أو عنوانَ: "المطوية البتراء" لخلوِّها نهائيا من البسملة الكريمة.


    ونحنُ المسلمون حفظنا وتربَّينا وتعلَّمنا ونشأنا على أنَّ: -"كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر"-  حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود وغيره.
    وقد وجدتُ هذه العملية أو المعصية، أو الجريمة المرتكبة في حقِّ البسملة، وهي ــ أي البسملة ــ جزء من آية من آيات القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّه مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالنمل 30 باتفاق المسلمين جميعا، عكس خلاف العلماء حول البسملة في أوائل السور، هل هي من السورة أو لا.
    وهي معصية لأنَّها تغييب لآيةٍ أو جزءٍ من آيةٍ من آيات الله تعالى في كتابه العزيز: القرآن الكريم. قلتُ وجدتُ أنَّ العمليةَ ــ تغييب البسملة ــ تتكرَّر على أكثر من صعيد، خاصَّة على تلك المطويات والمراسلات الصادرة من مؤسَّسات وجمعيات ومنظَّمات دينية، وتربوية، وثقافية، وعلمية.

    وفي كلِّ مرَّة أناقش من أعرف من أصحاب هذه المطويَّات والمراسلات البتراء، يبرِّرون ذلك بأسباب غير مؤسَّسة أو معتَمَدة على أسانيد علمية، أو فقهية شرعية منطقية معقولة، إنَّما هي فقط ركوبٌ لموجة وُرِّدتْ إلى مجتمعاتنا الاسلامية؛ ونحنُ بكلِّ أسف نستقبلُ هذه الموجة استقبال المغلوب لأفكار الغالب، أو انبهارا بكلِّ فكر ورأيٍ جديد، دون أن نُعملَ عقولنا وفكرنا، ونحكِّمَ شرعنا وفقهنا في القضيَّة.
    وهم غالبا أو كلُّهم، يبرِّرون سلوكهم هذا بـــ:
-      كون البسملة تحمل اسم الجلالة.
-      والخوف من وقوع الوثيقة في أماكن غير لائقة، كالقمامة مثلا.
-      عدم الاحتفاظ بها واحترامها، كاستعمالها قراطيس لتغليف البضائع، و...
    وكنتُ وما زلتُ أقول لهم دائما إنَّ:
-       مسؤولية المحافظة على أيِّ وثيقة تحملُ علماً، أيَّ علمٍ، فضلا عن أن يكون العلم كلامَ الله تعالى، أو حديثَ رسوله الكريم، تقعُ ــ المسؤولية ــ على عاتقِ الشخصِ الذي تصل الوثيقة إليه، كما يحافظ على المصحفِ الشريف المطبوع على الورق وغير الورق.
-       أغلبَ هذه المطويات البتراء، تحملُ في طياتها الداخلية، أو على واجهتها (مطوية المنار نموذج) آيات كاملة من القرآن الكريم، فهل هذه الآيات القرآنية لا تحمل القداسة والأمر على المحافظة عليها كما تحمله البسملة؟؟.
-       أغلب هذه المطويات تحملُ إضافة إلى الآيات القرآنية، الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة تتضمَّن الكثير من أسماء الله تعالى، إضافة إلى أسماء الأنبياء متبوعة بالتصلية (صلَّى الله عليه وسلَّم)، أو أسماء الصحابة متبوعة الترضِّي (رضي الله عنه)، إلى غير ذلك من الأسماء الحاملة لأسم الجلالة، وأسماء الله الحسنى (عبد الله، عبد الرحمان، عبد الغفور، ...) ألا تستحق أسماء الله هنا القداسة واللاحترام؟؟.
    وقد أرسلَ نبيُّ الله سيِّدُنا سليمان عليه السلام كتابهُ إلى الملكة بلقيس وهي غيرُ مسلمة، يحمل البسملةَ كاملة، كما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(النمل 28، 29، 30).
    كما أرسَلَ رَسول الله محمَّد صلَّى الله عليهِ وسلَّم، جميعَ رسائله وكتبه إلى الملوك والأمراء تحمل البسملة كاملة، كما جاء في كتب التاريخ، وكما حفظت المتاحف نسخا من هذه الرسالة، وهي شاهدة إلى اليوم.
    أفتكونون أنتم يا أصحاب المطويات والمراسلات البتراء أغيرُ على بسملة الكتاب من نبيِّ الله سليمانَ عليه السلام، ومحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.
    وكم كان اندهاشي كبيرٌ جدًّ يعلم الله، أن يُصدِر مركَّب المنار على مكانته العلمية والدينية، ومكانة من يدير شؤونه من الكفاءات، مطويَّة رمضانية بتراء، في شهر رمضان المبارك.
    وأخوف ما أخافه أن تكونَ عملية تغييب البسملة عملية مقصودة ضدَّ الاسلام وكتابه المقدَّس، القرآن الكريم، لتغييبه كلِّه من حياة المسلمين، فكانت البداية من البسملة، ليأتي دور الآيات القرآنية التي تحمل اسم الجلالة، ثم التي تحمل الأسماء الحسنى، وهكذا دواليك.
فالحذر، الحذر أيَّها المسلمون، ولا نكون إمَّعة، نتَّبع ونقلِّد دون وعي وتكفير.

بقلم: يوسف بن يحي الواهج
 الجزائر: 26 رمضان 1438ه

21 جوان 2017م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق