الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

شخصيات: امرأةٌ وراءَ عَظيمَين

 

امرأةٌ وراءَ عَظيمَين


v  ديباجة:

    قيل يوما: "وراء كلِّ رجل عظيمٍ امرأة". فما بالكم في "امرأة وراء عظيمين"، "امرأة صنعت عَلَمَين"، "امرأة رفعت لواءين".

    إنَّها السيّْدة الفاضلة، والزوجة الصالحة، والأمُّ المدرسة، والمربِّية البارعة؛ التي رافقت، وشاركت، وآنست زَوجها "الشيخ بكير بن محمَّد ارشوم"[1] رحمه الله، حتَّى صنع مجده، وخلَّد ذِكره، وتركَ للأمَّة الإسلامية عِلما نافعا، وفكرا ناضجا، وعملا متواصلا.

    وهي التي أنجبت من رَحِمِها رجلا سريًّا، كأنَّها كانت تهزُّ العالم في بلدتها ومجتمعها كلَّما هزَّت وأرجحت مهد وليدها "محمَّد بن بكير ارشوم"[2]، هذا الطفل الذي أصبح بعد سنوات معدودة رجلا عظيما في قومه، عالما بين علماء الأمَّة، وعاملا مصلحا اجتماعيا، ومرشدا دينيا.

    ففيها يصدق قول نابليون: "إن الأمَّ التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها".

    فمن هي هذه المرأة العظيمة يا ترى؟ كيف نشأت؟ وكيف كانت أدوارها وجهودها حتَّى استطاعت أن تصنع الرجلين العظيمين؟

    الجواب عن هذه التساؤلات تجدها أيُّها القارئ الكريم في هذه الصفحات.

السيِّدة نَانَّة بنت يوسف زيطاني


v  الاسم والنسب:

    "نانَّة بنت يوسف بن الناصر، زيطاني"؛ من عشيرة "آل بلفع" في بريان، ولاية غرداية الجزائر.

    أمُّها: "منَّة بنت سليمان سعودي".

v  المولد والنشأة:

    وُلدت في يوم الخميس 18 صفر 1346ه، الموافق ليوم: 29 أفريل 1937م، في مدينة بريان، بقلب المدينة، في شارع يجاور المسجد العتيق، في منزل جدِّها من الأمِّ: سليمان السعودي.

    وفيه نشأت وترعرعت، في حضن أسرة كبيرة، طيِّبة متواضعة صالحة تتكوَّن من أربع بنات وأخٍ وحيد من الأمِّ وهي البكرية في الأسرة، وتربَّت تحت مسؤولية أبٍ وأمٍّ وزوجةِ أبٍ كانوا جميعا لها وللأسرة نعم الأبوَّة ونعم الأمومة بالصلاح والاستقامة، ملتزمين بأحكام الدين الاسلاميِّ الحنيف، وبالقيم الاجتماعية، والهويَّة الوطنية والاجتماعية الراسختين.

    فكانت الأمُّ "مَنَّة نَ سْلِيمانْ"[3] شديدة الحرص على تلقين ابنتها "نانَّة" ما يجبُ أن يُغرَس فيها أساسا من العقيدة الصحيحة، والخلقِ الكريم، والسمتِ الجميل؛ وما يجبُ أن يتعلَّمه المسلم والمسلمة من الدين بالضرورة، فحفظت الآيات الأولى من القرآن الكريم وقصار السور منه، وبعض الأحاديث النبويَّة الشريفة، والأدعية والأذكار الدينية المتواترة. أخذا بقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: –"عَلِّموا أولادكم القرآن فإنَّه أوَّل ما ينبغي أن يُتعلَّم من دبنِ الله هو[4]"-.

    وإلى جانب جهود الأمِّ وزوجة الأب السيِّدة: "مامَّة بنت حمُّو ازﭬـاو" المرابطتين في تربيتها، كان الأبُ يردفهما بالأبوَّة الحانية، والمسؤولية الراعية، بالسعي في الحياة لكسب القوت الحلال، ومساندة الأمِّ في تربية الأبناء ورعاية الأسرة، رغم غيابه عن البلدة مستخلفا لوالده في التجارة بالجزائر العاصمة في شارع فرحات بوسعد (ميسوني سابقا).

    وقد ثابر الوالد إلى جانب الأمِّ على تنشئة ابنتهما وكافَّة الأبناء والبنات من أفراد الأسرة التنشئة الصحيحة، التي تجعل من البنتِ زوجة صالحة، وأمًّا مربِّية، كما تجعل من الولد رجلا صالحا ومصلحا، وزوجا مسؤولا، قلتُ هذا الدور يداوم عليه الأبوان مع الأبناء إلى سنِّ الزواج والاستقلال ببيوتهم.

    شاء الله تعالى أن تحيا بداية حياتها في ظل الحرب العالمية الثانية[5]، التي وصلت آثارها إلى الجزائر ومدينة بريان، فعاشت كما عاش المجتمع البرياني خلالها حياة صعبة، عرفت الأسر شظف العيش وقلَّة الغذاء، وشح الموارد الطبيعية المحلّية في البلدة من أثر الجفاف الذي عرفته البلدة والمنطقة آنذاك[6].

v  الدراسة:

    لـم تكن لها فرصة للتعلُّم، فقد كانت في زمن وفي مجتمع لـم يكن يوفِّر فُرص التعليم للبنات، اللهمَّ إلاَّ بعض الدور التي تفتحها بعض الأمَّهات الفاضلات لتلقينِ بنات المدينة ما تيسَّر من القرآن الكريم، وبعض الأوراد والأدعية، والمحفوظات الضرورية لإقامة الصلاة عند بلوغهنَّ، وتعليمهنَّ أحكام العبادات وفقه النساء.

    فكانت تتردَّد كأترابها من البنات، على بيت المعلِّمة الفاضلة: "مامَّة نْ عَفَّاري"[7]، تحفظ منه القرآن الكريم تلقينا آية بعد آية، ولـمَّا اقترب بلوغها زادتها المعلِّمة ما يجب عليه أن تحفظه لإقامة صلاتها، وصيامها، وغير ذلك من أحكام العبادات لدى النساء، فأقامت أوَّل صلواتها سنة 1949م وهي في سنِّ الثانية عشر من عمرها على يد والدتها الكريمة.

    وكان لها نصيب من التعلُّم من أمِّها السيِّدة: "منَّة بنت سليمان السعودي" التي كان لها نصيب من العلم والمعرفة والثقافة الدينية والتاريخية والتراثية المحلِّية.

    إلاَّ أنَّها استدركت ما نقُص لها من العلم، عندما دخلت بيت الزوجية، حيث وجدت أختَ زوجها من الأم: "عائشة بنت سليمان لعساكر"، كانت منتسبة إلى المدرسة القرآنية "مدرسة الفتح"[8] مقيمة في بيت الأسرة الكبيرة، فكانت تلازمها لتتعلَّم منها ما تتلقَّاه في المدرسة، بحرصٍ منها، وبأمرٍ من زوجها، وبأريحية من الطالبة عائشة.

    هكذا، كان البيت الزوجي مدرستَها الحقيقية، وأختُ زوجها (لوستها) معلِّمتها الأساسية، وزوجُها مرافقها ومشجِّعها ومحفِّزها، حتَّى تمكَّنت من الخروج من الأمِّية، إلى القراءة المريحة، والكتابة الصحيحة؛ إضافة إلى حفظها نصيبا معتبرا من القرآن الكريم، والعديد من الأوراد والأذكار، والكثير من الأدعية، وبعض العلوم والمعارف، اكتسبتها بفضل لوستها عائشة، من ذلك حرفة الحياكة اليدوية (لَكْرُوشِي-Cochet)[9]، ثمَّ من زوجها العائد من تونس عالما زيتونيا[10] مليء الوفاض.

v  الخطبة والزواج:

    تقدَّم الرجل الفاضل، السيِّد: "الحاج محمَّد بن باحمد زيطاني[11]" إلى والدها، يخطبها للشاب: بكير بن محمَّد ارشوم، الطالب بتونس، ولـم يكن الوالد أن يتردَّد في الموافقة على طلب الرجل الذي كان من أعيان المجتمع في البلدة، ولا على طلب الشاب الذي كان طالبا للعلم.

    وللعلم وأهله قيمة ومكانة عالية في المجتمع؛ فأخبر الوالد زوجته مامَّة ازﭬـاو، وأمَّها منَّة السعودي بخبر خِطبة البنت "نَانَّة". وبقدر ما فرحتا بخطبة ابنتهما، تفاجأتا بها لأنَّ أمر تجهيز البنت للزواج ليس سهلا في ظلِّ شظف العيش وصعوبة الحياة وشحِّ الموارد المادِّية للعائلة.

    فتكفَّلت زوجة والدها الحكيمة، السيِّدة: "مامَّة بنت حمُّو ازﭬـاو[12]" بتجهيزها وإعداد ما يلزم لها لزواجها من اللوازم والأفرشة والعتاد اللازم لغرفة النوم؛ وكان صداقها آنذاك كما يحدِّده العُرف والنظام المسجدي في البلدة عبارة عن: مبلغ من المال قُدِّر بثلاثين دينار جزائري، ومِلحَفة، وفستانين (2 رواب)، ودُخَيلتَين (2 قمايج)، وفولارات الأكتاف، ولا ذهب فيه ولا فضَّة[13].

    وتمَّ زوَّجها في يوم السبت 20 ذو الحجَّة 1372ه، الموافق ليوم 29 أوت 1953م، وهي تبلغ من العمر ستَّة عشر عاما، بالشاب: محمَّد بن بكير بن صالح ارشوم، وهو لا يزال آنئذ طالبا في جامع الزيتونة، ضمن البعثة العلمية المزابية إلى تونس.

    فانتقلت بهذا الزواج من بيت والديها إلى بيت الزوجية في حيِّ "بُودْوايَة"[14] في حدود القصر القديم آنذاك، وهو اليوم ضمن البلدة العامرة، ويطلق عليه حاليا "الرَّمْبُّوانْ Le rond-point".

v  بيت الزوجية:

    لـم يكن العشُّ الزوجي آنذاك كما يتصوَّره جيل اليوم، عبارة عن بيت يستقلُّ فيه الزوج بزوجته، بل كان بيتا كبيرا يجمع العائلة الكبيرة، ويجمع عدَّة أزواج من أبناء الأسرة. وهكذا كان البيت الزوجي للسيِّدة: "نانَّة نْ زِيطاني".

    ففي حي بودواية، حيث يوجد البيت، عاشت "نانَّة" شهرها العسلي، بين الحماة، والأخت الوحيدة لزوجها سلفتها عائشة، ووأخ زوجها "حمُّو بن سليمان لعساكر[15]" وزوجته، إضافة إلى الأخت الشقيقة لزوجها.

    وفي هذا البيت أنجبت كلَّ أولادها وبناتها، إضافة إلى أولاد سلفها وسلفتها، فتكوَّت فيه أسرة كبيرة العدد من البنين والبنات والأولياء تجاوز عددها العشرين فردا.

    وفيه أيضا، عاشت حياتها الزوجية الأولى كاملةً، بالعادات والتقاليد التي تعرفها البلدة، وتحتفظ بها لكلِّ عروسة وعروس، فكانت تأتيها الماشطةُ (تَايَّـا[16]) فتزيِّنها للعريس بكلِّ ما تتزيَّن به العروسة، كالـمُشطة "تَكَنْبُوشْتْ"، وعادة تلتْيَّام، وسبعيَّام، وغير ذلك من مراسيم الأعراس. ومن ذلك الإكراميات الراسخة في سجلِّ العادات والأعراف الاجتماعية في المجتمع المزابي كلِّه، التي تتبادلها العائلتان المتصاهرتان، كعادة تقديم طبق "شخشوخة"[17] في اليوم الثالث من العرس، وغيرها من الأطباق التي كان يُكرِم بها أهلُ العروسة أهلَ العريس في كلِّ يوم جمعة بعد الزواج، إلى الثالثة منها، ثمَّ اليوم الأربعين حيث يُكرَم العريسُ وأهلُه بطبق "تِيمِلَيَّنتْ"[18].

    وفي هذا البيت الزوجي الكبير، المتواضع في بنائه، وفي تجهيزاته، وفي متاعه وسائر أغراضه، قضت الزوجة الصالحة ربع قرن من الزمن (25 عاما)، حيث انتقلت إلى البيت الجديد في "حيِّ كاف بوكراع"[19]، بجانب "المسجد القبلي"[20]. وشاء الله لها أن تحيا صباها بجوار المسجد العتيق بحي بربورة، وتحيا بقية عمرها بجوار المسجد القبلي الجديد، فهي "امرأة مسجدية" بحقّ (حفظها الله).

v  الزوجة الصالحة الحسنة العظيمة:

    قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: -"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"[21]-.

    نعم، نِعم المرأة، ونِعم الزوجة كانت السيِّدة الفاضلة: "نانَّة بنت يوسف زيطاني" حفظها الله تعالى؛ كانت نعمَ المرأة باندماجها في بيت الزوجية الكبير، وبين أفراد الأسرة الكبيرة متعدَّة الأفراد، فتعاملت مع كلٍّ فردٍ فيها كبيرا كان أو صغيرا بأدب واحترام، وأخلاق كريمة تربَّت ونشأت عليها.

    فاتَّخذت من حماتها الأمَّ الثانية، وعاملتها أنَّها السيِّدة الأولى في البيت، تحترمها احترام البنت الصالحة لأمِّها، لها الكلمة الأولى والأخيرة على كلِّ أفراد الأسرة، واتخذت من كلِّ من كان في البيت إخوة وأخواتٍ لها، ومن السيِّدة: عائشة بنت سليمان لعساكر زوجة سلفها معلِّمتها ذات فضل عليها.

    بهذه الأخلاق الفاضلة، والمعاملة الطيِّبة، كانت السيِّدة "نَانَّة نْ يُوسف" امرأة صالحة في البيت لكلِّ ساكنيه؛ وزوجة صالحة وسكنا لزوجها حتَّى تألَّفت بينهما وبينه مودَّة ورحمة، تطيعه إن أمرها، وتسرُّه إن نظر إليها، وتبرُّه إن أقسم عليها، وتنصحه إن غاب عنها.

    ولـم تتذمَّر يوما من الضيوف الذين يتوافدون على البيت، لزيارة زوجها المعلِّم العالِـم سواء كانوا زملاء له أو طلبة في المدرسة للاستفادة من علمه، أو مشايخ يقصدون الشيخ بكير ارشوم لدراسة ومناقشة بعض المسائل والنوازل الشرعية، أو روَّاد الندوات الفكرية والعلمية التي كانت تنعقد أسبوعيا في بيته. فكانت الزوجة الصالحة ومن معها في البيت يكرمن الضيوف بما يشرِّف ربَّ البيت من طعام وحلويات ومشروبات.

    وكان ضيوف البيت وزوَّاره متميِّزين بالعلم أو بالمكانة في المجتمع، من داخل البلدة ومن خارجها، منهم على سبيل المثال: الشيخ بكير الشيخ بالحاج (باشعادل)، الشيخ الناصر مرموري، الشيخ أحمد أوبكَّة، الشيخ إبراهيم بابزيز، الشيخ صالح حدبون، عبد الله بن صالح الطالب باحمد، وباعلي بن عمر بعوشي، وسليمان بن محمَّد موسلمال، وسليمان بن عمر موسلمال، والناصر بن امحمَّد حريزي[22]، ... وغيرهم كثير.

    وليست هذه اللقاءات للسمر والترفيه، بل هي ندوات وجلسات علمية راقية، تدرس إشكالات علمية، أو هموما اجتماعية تبحث عن حلول، أو مشاريع دينية وعلمية واجتماعية نافعة للمجتمع البرياني، وللأمَّة المزابية بصفة عامَّة.

    وفي هذا البيت الزوجي الكبير، شعرت الأسرة أنَّ الله تعالى قد فتح على الأسرة بركات وبركات غير خفِّية.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلْأَرْضِ﴾[23].

v  الأمُّ الحاضنة المربِّية:

    كانت السيِّدة "نانَّة نْ يُوسف زيطاني" امرأة ولودا، أنجبت سبع بنات وثلاثة أولاد، توفِّي منهم ولدا واحدا؛ -"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم[24]"-، توفِّي لها من البنات اثنتين، ومن الذكور واحدا؛ فتولَّت الأمُّ رفقة زوجها رعاية وتربية ولديها وبناتها على الصلاح وتقوى الله، وعلى نهج أهل الحقِّ والاستقامة، وعلى قيم وأخلاق المجتمع المسلم.

    فزوَّجت البنات الخمس زواجا وفق الشريعة الإسلامية وفي حدود العرف السائد في البلدة، وكونَّ أُسرا صالحة وأضفن لَبِنات في هرم المجتمع المسلم، -"مَنْ كان له ثلاث بنات فصبَرَ علَيْهِنَّ، وأطعَمَهُنَّ وسقاهُنّ، وكساهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ (سعته وطاقته)، كُنَّ لَهُ حجاباً مِن النارِ يومَ القيامة[25]"- وهنَّ حجاب من النار للأمِّ كما هنَّ حجاب للأب.

    وكذلك فعلت مع ولديها: محمَّد وعبد الله، في زواجهما، بداية من الاهتمام والحرص على حسن اختيار الزوجة لكلٍّ منهما، والسعيِ للخطبة لهما، ثمَّ إقامة العرس لهما في اليوم المشهود بالبلدة، وهو العرس الجماعي المسجديُّ الذي كانت حلقة العزَّابة تقيمه سنويا. وبهذا تثبت الأمُّ "نانَّة نْ زيطاني" أنَّها "امرأة مسجدية" بحقّ (حفظها الله).

    كانت حريصة على أن تنشئ بناتها وولديها على الصراط المستقيم والنهج القويم، فدخل الكلُّ في مدرسة الفتح القرآنية، وتابعوا دراستهم في كلِّ مراحل الدراسة الابتدائية.

    فكان نتيجة هذا الحرص هي وزوجها على تربية أبنائها وابنيها، بزوغ ولدها "محمَّد" بمواهب متميِّزة جعلت منه شيخا شابَّا، وعالما فقيها، وداعيا مصلحا ومرشدا.

    وقمَّة سعادتها كانت عندما يتجمَّع أبناءها وبناتها وأحفادها أمامها، وزوجُها يتصدَّر المجلس، فتُقدَّم النصائح الصادقة، وتحضر الذكريات الجميلة، وتتعالى الدعوات الوالدية الخالصة، فيصبح اللقاء العائلي هذا إلى حلقة تربوية تكوينية.

    فما أشبهها بالمرأة التي سئلت عن أحبِّ أبنائها إليها؟ فقالت: "أصغرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يعود"[26].

v  مميِّزات الأمِّ نَانَّة نْ زيطاني:

    تتميَّز الأمُّ بصفات عديدة، زادتها مكانة في محيطها الأسري، وفي مجتمعها الواسع، منها عللا سبيل المثال، لا الحصر:

-       التقوى والورع: نشأت في بيت صالح، وأسرة صالحة، ووالدين مستقيمين، وتشرَّبت من ذلك تقوى راسخا في قلبها، وورعا ظاهرا في تعاملها مع نفسها ومع معاشريها في بيتها، ومع كلِّ الناس. فكانت من أكرمهم كما قال رسول الله عليه السلام: –"قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: مَن أكرمُ الناس؟ قال: -أكرمهم أتقاهم"[27]-.

-       الصلاح والاستقامة: تجلَّى صلاحها واستقامتها في أخلاقها الفاضلة وسيرتها الحسنة وتعاملها مع الناس، فنالت الحبَّ الصادق من زوجها، ومن أهل بيتها، ومن جميع من عرفها. من صلاحها واستقامتها حرصها الكبير على صلاتها في وقتها، والسعي إليها مهما كانت ظروفها، حتَّى أنَّها أصيبت في رجلها جرَّاء ذلك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾[28].

-       الانسجام وحسن العشرة: تميَّزت الأمُّ "نانَّة" بالقدرة على الانسجام في البيئة التي تجد نفسها فيها، إذا كانت صالحة، كما لها القدرة على اعتزال أيِّ وسط لا يليق بمقامها ولا بصلاحها؛ وتميَّزت أيضا بحسن العشرة والمعاشرة مع الصالحين والصالحات. فهي مع الناس كما قال أمير المؤمنين عليُّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: -"عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنُّوا إليكم، وإن فُقِدتم بكوا عليكم"[29]-.

-       الصبر والمصابرة والاحتساب: تجلَّى صبرها عند مواجهة المشاكل والمصائب، ولا تخلو حياة الانسان من متاعب ومشاكل في الحياة، وقد نالها من الدنيا نصيبا وافرا من المتاعب، حتَّى حقَّ لها أن تقول ما قاله الشاعر:

رمَـــاني الــدهـــرُ بِـــــالأرزاء حــتَّى

 

فُــــؤادي في غـــشاء مِــن نِـــبال

 

فَـصــرتُ إذا أصابَـتـــني سِـــهام

تَكسَّرت النِصال عَلى النِصال[30]

    وممَّا نالها من نوائب الدنيا ما تخرُّ منه الجبال، وتتقطَّع منها الأوصال، ولكنَّها صبرت واحتسبت أجرها عند ربِّها، من ذلك مثلا:

·       خبر سقوط ابنتها الصغيرة ضحيَّة مجزرة إرهابية بمدينة بابا علي بالجزائر العاصمة، أيَّام العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر.

·       خبر الحادث المروري الذي تعرَّض له ابنها عبد الله.

·       خبر وفاة زوجها "الشيخ بكير" في المدينة المنوَّرة، عندما كانت معه في عمرة رمضانية.

·       خبر مرض ووفاة ابنها "محمَّد" وهو في عزِّ شبابه وأوجِّ عطائه.

    هذه أهمَّ الصدمات التي استقبلتها الأمُّ بصبر أيُّوبي كبير، وقلبٍ امتلأ بالإيمان واليقين والاحتساب، ولا داعي لذكر المتاعب والملمَّات الأخرى المترادفة في حياتها أحيانا؛ كما كانت تتحمَّل مع زوجها الكثير ممَّا يتعرَّض له من مشاكل ومصاعب، فكانت له كما السيِّدة "خديجة بنت خولد" لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (رضي الله عنها).

-       الاستعداد للتعلَّم: كان لديها استعداد كبير ورغبة ملحَّة للتعلُّم وتطوير ذاتها، فلم تستنكف أن تجلس لمن دونها لتأخذ منه العلم، ولم تعجز أن تتنقَّل إلى المسجد ودور العلم لتتفقَّه في دينها.

-       حبُّ العلم والعلماء: منذ أن دخلت بيت الزوجية ووجدت العلم يملأ البيت، أحبَّت العلم وأهله، فزوجها عالم، وأخ زوجها معلِّم، وأخت زوجها لها نصيب من العلم، وروَّاد البيت من الضيوف والزوَّار كانوا في الغالب طلاَّب علمٍ، أو معلِّمين، أو علماء ومشايخ؛ فبدا فيها حبَّ واحترام كلِّ هؤلاء.

-       الكرم والسخاء: إنَّ امرأة في مثل هذا البيت العامر بأهله وبزوَّاره، لا شكَّ إلاَّ أن تكون سخيَّة، كريمة، حاتمية، خدومة؛ فكانت تكرم ضيوف زوجها بما لذَّ وطاب من الأطباق، وبما تبدعه أناملها من حلويات ترافق كؤوس الشاي الحاضر دائما على كلِّ مائدة؛ وتواصل كرمها وسخاؤها بعد وفاة زوجها، عندما واصل ابنها "محمَّد" مسيرة ومسار ومنهج والده.

حفظ الله السيِّدة "نانَّة بنت يوسف زيطاني" وجزاها عن الأمة والجزائر خير الجزاء

*المصادر:

-       مسند الربيع بن حبيب.

-       البكري، مقتطفات من مذكِّرات البكري.

-       البكري، تقارير البكري.

-       حفيدة العلَم، مقابلة مع يوسف بن يحي الواهج، يوم 08 جانفي 2025م، ويوم 01 جوان 2025م.

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

الجزائر: 31 أوت 2025م



[1] - ولد عام 1927م، توفِّي عام 1997م.

[2] - ولد عام 1964م، توفِّي 2011م.

[3] - امرأة فاضلة، تحفظ الكثير من التاريخ، والتراث، والأدعية والأذكار، حتَّى أصبح










ت زينة المجاس بما تنشر من حكمة وتجربة وخفَّة روح، توفِّيت رحمها الله.

[4] - مسند الربيع بن حبيب.

[5] - الحرب العالمية الثانية، اشتعلت سنة 1939، ووضعت أوزارها سنة 1945م.

[6] - للمزيد حول الجفاف الذي ضرب المنطقة، ينظر مقتطفات من مذكِّرات البكري، فترة الأربعينيات من القرن العشرين.

[7] - "مامَّة بنت حمُّو عيسى واعمر"، امرأة صالحة، فتحت بيتها لتعليم البنات القرآن وأمور دينهنَّ، ولدت سنة 1882م، توفِّيت عام 1959م.

[8] - مدرسة الفتح، تابعة لجمعية الفتح ببريان التي تأسَّست عام 1927م.

[9] - حرفة الحياكة هي فن صناعة النسيج عن طريق تشابك خيوط متشابكة.

[10] - نسبة إلى جامع الزيتونة بتونس، حيث كان الزوج يتابع دراسته فيه.

[11] - رجل فاضل من أعيان البلدة، ومن أعضاء جمعية الفتح ببريان.

[12] - مشهورة بـــ "مامَّة حمُّو" عرفة بالحكمة وحسن التدبير، وهي زوجة والد نانَّة بنت يوسف زبطاني، كانت لها الأمُّ الثانية.

[13] - من العادة والعرف في بريان، أن يكون نصيب من الذهب في صداق المرأة، غير أنَّ أهل الحلِّ والعقد قرَّروا إلغاء الذهب، مراعاة للقدرة الشرائية الصعبة آنذاك، بسبب الحرب العالمية الثانية، وحالة الجفاف التي ضربت المنطقة.

[14] - يُطلق عليه حاليا "rond-point".

[15] - أخ الشيخ بكير ارشوم من الأمّ، اشتغل معلِّما للقرآن الكريم في مدرسة الفتح ببريان.

[16] - هي المرأة التي تتولَّى تزيين وتحضير العروسة لزوجها، وترافقها وتشرف على شؤونها كامل أيَّام العرس.

[17] - طبق تقليدي في بعض المناطق الجزائرية، منها منطقة مزاب، يقدَّم في المناسبات السعيدة، كالعرس يقدِّمه أهل العروسة لأهل العريس.

[18] - نفس الملاحظة السابقة.

[19] - "حي كاف حمُّودة" من أحياء البلدة بشرقها، توسَّع إليها البناء للسكن.

[20] - "المسجد القبلي" ثاني المساجد تأسيسا في بريان.

[21] - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه مسلم.

[22] - كلُّ الأسماء الواردة في الفقرة، هم مشايخ وأعلام وادي مزاب ومدينة بريان.

[23] - سورة الأعراف، آية : 96.

[24] - رواه النسائي وأبو داوود والإمام أحمد.

[25] - عن عقبة بن عامر.

[26] - قائل هذه العبارة مجهول، تنسَب أحيانا لأعرابية، وأحيانا لأعرابيٍّ.

[27] - حديث أبي هريرة، رواه البخاري.

[28] - سورة فصِّلت، آية: 30.

[29] - علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه.

[30] - المتنبِّي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق