الثلاثاء، 14 مايو 2024

كتابات أدبية: في صورة الأثر تاريخ البشر


في صورة الأثر تاريخ البشر


    أدركت هذا وأنا أشاهد هذه التحف الجميلة في بعض محلاَّتنا التجارية العريقة بالجزائر العاصمة، فلم أستطع المرور عليها مرَّ الكرام وأنا أرى فيها صورة شخصيات قد مرُّوا يوما من هنا وهذه آثارهم؛ وكان الشعور أبلغ والصورة أوقع عندما عرفت صاحب الأثر ممَّا روي لي عنه، أو ممَّا قرأت عنه في كتاب أو مقال.

    والأثر المادِّي الذي يذكِّرنا بالشخصية له وقع خاصٌّ في النفس، ولا تقلُّ قيمته عن قيمة ما يُكتَب، أو يصوَّر، أو يسجَّل عن الشخصية، ومادام الأثر المادِّي موجود أمامنا فهو يذكِّرنا بصاحبه، كما تذكِّرنا الكتابة والصوت والصورة به، فهو من الذكر الذي يكون للإنسان عمرٌ ثانٍ.

فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرها *** فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

    لهذا أعتبر دائما الأثر المادي لكلِّ شخصية جزء من تاريخه، وهذا ما أجده غالبا عند قراءة كلِّ قطعة أثرية أقف أمامها، فأسأل عن صاحبها، وعمرها، وتاريخها، ومصدرها، ورحلتها، ومصيرها، وكلِّ ما يتعلَّق بها.
وكم أغبط -يعلم الله- المالكين الحاليين لهذه الآثار بما بين أيديهم من المصادر والمراجع الناطقة لفترات تاريخية ماضية، وتاريخ أشخاص وأسر وعائلات وجماعات، كما أعجز عن شكر الذين حافظوا على هذه الآثار واحتفظوا بها عندهم.

    ففي الصور التي التقطتها اليوم رمزيات عديدة، فهي:

-      تقارب القرن في عمرِ امتلاكها من أصحابها.

-      امتلكها رجال كانت لهم أدوار دينية واجتماعية وإدارية في حياتهم.


-      تنمُّ عن الذوق الجميل والحاسَّة الفنِّية لدى أصحابها.

-      حسن اختيار النوعية الصحيحة اللائقة بمستوى أصحابها مادِّيا واجتماعي.

-      وعي الوارثين لهذه التحف الأثرية للمحافظة عليها.

    وقد لاحظت وجود هذه التحف والآثار الرمزية في محلاَّت تجارية عريقة، كانت مدارس تكوين وتربية وصناعة للإنسان تجاريا، ومهنيا، وحرفيا، واجتماعيا، ووطنيا، وثوريا، وعلميا، وثقافيا، و...

    وكم تمنَّيتُ حينها لو يستوعب جيل اليوم أهمِّية هذه الآثار القيِّمة.

    والشكر واجب لكلِّ من حافظ واحتفظ عليها.

    ونحن نحفظ في ذاكرتنا الشعبية القول المأثور: -"الجديد حبُّو، والقديم لا تفرّط فيه"-

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

الجزائر: 15 ماي 2024م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق