الثلاثاء، 12 مارس 2019

شخصيات: أمحمَّد عيسى واعمر- رجلٌ ذو بصيرة


أمحمَّد عيسى واعمر*
رجلٌ ذو بصيرة

    النسب والمولد والمنشأ:
    هو السيِّد الفاضل، الأمين الحافظ: أمحمَّد بن حمُّو بن أمحمَّد بن عيسى بن عمر عيسى واعمر؛ ويرجِّح هو نفسُه أنَّ اللقب العائلي: عيسى واعمر، جاهم من الجدَّين الأخيرين المذكورين في سلسلة النسب الآنفة الذكر، عيسى وعمر.
    اشتهر السيِّد أمحمَّد بلقبٍ التصق به أكثر من اسمه، وهو يرضَى بهِ لنفسه وأولاده، كما رضيت به أمُّه لابنها هذا، حسب ما صرَّح به. وهو لقب: "أوشَّن"، ويعني في اللغة العربية: الذئب. ولهذا اللقب قصَّة، أختصرها في هذه الفقرة نقلا من التسجيل الذي تحصَّلتُ عليه خلال اللقاء الذي جمعني به*:
    -"أُطلِقَ اللقب أَوشَّن أوَّل الأمر على الجدِّ الأوَّل للسيِّد أمحمَّد، من عملٍ بطوليٍّ تسلَّح فيه بالحكمة والفطنة وحسنِ التدبير، عندما نَجا بِــنفسه وأنجى رفاقَــه الذين خرجوا معه لمهمَّة في الصحراء بعيدا عن البلدة بريان، فاستضافتهم جماعة من الأعراب، ولكن الجدَّ تفطَّن لمكيدةٍ يخطِّط لها أصحاب الخيمة المضيِّفون للغدر بهم وقتلهم، فأوعز لرفاقه أن ينسحبوا بدعوى أنْ تَـــردَ خيلهم الماء، ولـمَّا طلبوا ذلك من المضيِّفين عرضوا أن يقوموا هم بالمهمَّة، فقال لهم الجدُّ: إنَّ خيلنا شاردة ولا ترضى أن تُسقى إلاَّ من أيدي أصحابها.

    ولـمَّا رأي أصحابه قد ابتعدوا وصاروا في أفق مرمى البصر، قَــفزَ هو مسرعا لامتطاء صهوة جواده، فانطلق كالبرق ليلتحق بأصحابه، ولـمَّا وصل إليهم قالوا له: إنَّك ذو حيلةٍ كالذئب. (دُوشَّن، دُوشَّن، ...). واعترفوا له بالحيلة وحسنِ التدبير لـمَّا أنقذَ نفسَه وأنقذَ أصحابَه، فالتصقت كلمة أوشن كنية ولقبا متوارثا في العائلة."-
    ولدَ خلال سنة 1927م (هو حاليا يبلغ من العمر 92 سنة*)، بمدينة بريان من ولاية غرداية؛ من أمٍّ فاضلة تقيَّة صالحة، هي السيِّدة: منَّة بنت بابا بن موسى موسلمال.
    ونشأ في أسرة صالحة، ربَّته على الورع وتقوى الله تعالى، وتحرِّي الحلال والحرام في مأكله ومشربه وملبسه، وفي كلِّ معاملاته اليومية، وغرست فيه الأخلاق الفاضلة الكريمة وحسن المعاملة، كما رسَّخت فيه الأعراف والعادات الاجتماعية الراقية، النابعة من سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
    فكان نعم الطفل في الأسرة، ونعم الوليد بين أحضان أمِّه، ونعم القُرَّة لعين أبيه، ونعم الرفيق لأترابه، ونعم الساعي بين جيرانه.

    الدراسة:
    لـمَّا بلغ سنَّ التمدرسِ، انضمَّ إلى أترابه في المدرسة القرآنية (مدرسة الفتح حاليا) فجلس تلميذا مجتهدا أمام الرعيل الأوَّل من مشائخ وأساتذة مشروع التعليم ببريان، فغرف ما شاء الله أن يغرف من علم المشايخ:
-       الشيخ صالح بن يوسف لبسيس.
-       الشيخ صالح بن يحي الطالب باحمد.
-       الشيخ عبد الرحمان بن عمر بكلِّي.
-       الشيخ إبراهيم بن باعلي لعساكر.
    حفظ على أيديهم (رحمهم الله) نصيبا معتبرا من القرآن الكريم، وتلقَّى دروسا في الفقه والشريعة، ومبادئ اللغة العربية، والمحفوظات، والمدائح الإسلامية، والأناشيد الوطنية؛ إضافة إلى تكوينٍ جادٍّ في الأنشطة والتظاهرات الثقافية المدرسية الراقية، والاجتماعية الهادفة.
    فتكوَّنت في المدرسة شخصيتُه العلمية والفكرية والعقلية، وترسَّخت فيه المبادئ الدينية، والقيمِ الشرعية من المذهب الإباضي الناصع، والقيم الاجتماعية الأصيلة.
    فخرجَ من المدرسةِ إلى الحياة العملية وهو يحمل في صدره ثلاثة أرباع من القرآن الكريم (الربع الثاني والثالث والرابع)، بحفظ جيِّدٍ راسخ، عمَّر به المسجدَ بالحضور الدائم في مجالس التلاوة الجماعية للقرآن الكريم.
    أمَّا الربع الأوَّل من القرآن، فأخذه بمداومة الجلوس خلف حلقة التلاوة بالمسجد، فحفظه حفظا جيِّدا لا يقلُّ إتقانا عن الأرباع الثلاثة الأخرى، فاكتمل حفظه للقرآن حفظا وإتقانا، وشهد له بذلك إمام المسجد فضيلة الشيخ: صالح بن يحي الطالب باحمد (رحمه الله).
    وقد زامل في المدرسة العديدَ من أبناء البلدة، ذكر منهم على سبيل المثال، سعودي عيسى، وأرشوم عمر الطالب، وأزﭬـاو محمَّد الطالب، وباسليمان قاسم لمنوَّر، و....
    ابتلاه الله تعالى في عزيزتيه، ففقد بصره وهو في عزِّ شبابه لم يبلغ العشرينَ من العمر، إثر مرضٍ أصاب الكثير من أبناء البلدة. وهذا ما ألزمه أن يتخلَّى عن الدراسة مُكــرها لا بطلا، رغم شغفه وتعلُّقه بها، ونجاحه وتفوِّقه فيها.

    في معترك الحياة:
    كانت حياته العمليَّة في بريان حصرا، وحسبَ ظروفه الصحِّية، وحسب متطلَّبات واحتياجات المجتمع آنئذٍ، فتوزَّعت مهامُّه وأعماله بين أعمالٍ ونشاطاتٍ شريفة.
    فعملَ في تزويد البيوتات والعائلات بالماء الشروب، قبل توزيع المياه في البلدة عبر القنوات كما نعرفها الآن، فكان محلَّ ثقة كبيرة في المجتمع البرياني، يكلِّفه أربابُ الأسر بتزويد البيت بالماء بشكل دائم، وإن كانوا غائبين عن البيت والبلدة، كما كان موضعَ ثقة في محاسبته إيَّاهم على الأجرة، مُـرفِـــقا فيها على الضعيف والفقير والمحتاج.
    وكان يحمل في كــلِّ جولة دلوين من الماء، يملؤهما من الآبار المنتشرة في أحياء المدينة، فيسير بهما من شارع إلى شارع، ومن حيٍّ إلى حيٍّ حتَّى يصل البيت الذي يقصده، وحده دون مرافق رغم فقدانه بصره، إنَّما يعتمد على بصيرته في حفظه أماكن البيوت، ومنعرجات الشوارع، وطولها وعرضها، وحتَّى ما كان فيها من حفرٍ ومطبَّات. فهو لا يخاف في سيره على نفسه، إنَّما يخاف على غيره من عابري الطرق، فكان ينادي دائما أثناء سيره بكلمة تنبيهية أصبح معروفا بها، ومعروفة به، وهي: ﭘــَـــــــلاَيْنْ palaine. ولا زلتُ أحفظ وقع تلك الكلمة منه في ذاكرتي.
    وعمل في الدلالة أو البيع بالمزاد، تضع المرأةُ المنتجةُ في بيتها ما أنتجته من حائك صوفي، أو قشَّابية، أو برنوس، أو فراش ليبيعه لها في السوق، وهي واثقة تمام الثقة في أمانته وصفاء ذمَّته، وكذلك يفعل، فلا يأخذ مقابل عمله هذا إلاَّ ما يقرِّره العرفُ السائدُ في البلدة.
    كما يثق في تعاملاته أغلبُ الناس من المجتمع، حتَّى الأعراب القادمين من الضواحي بمنتوجاتهم الصحراوية، كالكباش والخرفان والماعز، وما يشتقَّونه من الحليب وغيره مما ينتجونه في مرابضهم، فيقدِّمونه إليه ليتجوَّل به في سوق المدينة للبيع، وكلُّهم ثقة في ذمَّته الطاهرة، وقناعته الكبيرة وعدم شجاعته. وبهذا شهدوا ولا يزالون يشهدون عنه.
    كما وضع نفسه في خدمة العائلات المحتاجة لبعض المساعي لدى الإدارات الحكومية، كالبلدية والدائرة ومراكز البريد والبنوك وغيرها من المصالح، التي تمتنع المرأة المزابية أن تدخلها، لعجزٍ منها، أو التزاما بالأعراف الاجتماعية، خاصَّة مصالح النساء العاجزات القابعات في البيوت.
    إضافة إلى ذلك عمل في الفلاحة في فترة من فترات حياته.

    المميِّزات والصفات والمواهب:
    تميَّز وعُرفَ لدى المجتمع كلِّه بالحفظ الجيِّد للقران الكريم، وعمارته الدائمة لمجالس التلاوة اليومية بالمسجد، وحضوره الدائم لمجالس التلاوة للقرآن الكريم في المآتم والعزاءات، حتَّى صار نجمها الأوَّل وصدرها.
    ويتميَّز بذاكرة قويَّة جدًّا في كلِّ ظروفه المعيشية، فما أن يسمع صوتا من شخص ويتعرَّف به مرَّة واحدة، إلاَّ ويبقى يتذكره من خلال الصوت، أو لمسة اليد مهما طال الزمن.
    ويتميَّز أيضا بانصياع الدوابِّ التي توضع تحت يديه لبيعها، فتظلُّ تتبعه بانصياع وهدوء غريبين، رغم أنَّها كانت شاردة وعصيَّة في يد أصحابها، بشهادة الكثير من المتعاملين معه، إلى درجة أنَّ الدابة كبشا أو تيسا أو عنزة ترافقه في صعود الدرج إلى الطوابق العليا من بيوت زبائنه، بينما يستعصي الأمر على أصحابها.
    ومن مميِّزاته البارزة، حفظه الجيِّد لأنساب العائلات المكوِّنة للمجتمع البرياني، وعلاقة كل شخص من بريان بالشخص الآخر، ومن معرفته الواسعة لهذا الجانب، يقول: إنَّ المجتمع البرياني متشابك في الأرحام والأنساب بشكل كبير.
    وكان يتمتَّع بصوتٍ جميل، ساعده على الأداء الجيِّد للمدائح الدينية والأناشيد الوطنية، التي كان يحفظها على يد أستاذه: الشيخ إبراهيم بن باعلي لعساكر (الزعيم)، فكان يمتِّع وينشِّط بها المناسبات الدينية والاجتماعية.
    وكان يقوم رفقة أصدقائه وزملائه من قرَّاء القرآن الكريم بجولات دورية مناسباتية حول البلدة، فيعقدون مجالس لتلاوة القرآن في أماكن معيَّنة ومقامات معلومة، يوزِّعون من يجود به المحسنون من الصدقات، بنية تحصين البلدة وسكَّانها من كلِّ شرٍّ مستطير.
    وهو يلتزم إلى اليوم بورد يوميٍّ من القرآن الكريم، يقرأه على روح والديه، والراحلين من مشايخه ومعلِّميه، وجيرانه ومعارفه؛ وحتَّى الأطفال المتوفِّين الذين ولدوا حديثا.
    هذا هو الفاضل: أمحمَّد أوشَّن، أطال الله في عمره، ومتَّعه بوفير الصحَّة الجيِّدة، وهو الرجل الذي يعرفه كلُّ البريانيين، ولكن لا يعرفون عنه الكثير ممَّـا يجب أن نعرفه، أرجو أن أكون بهذه الصفحات قد قدَّمتُه لهم بشكلٍ جيِّد في هذه الصفحات المتواضعة.

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

* المصدر: لقاء جمعني بالسيد الفاضل: أمحمَّد بن حمو عيسى واعمر في بيته، حضره الأستاذ: حمُّو بن باحمد أبو الصدِّيق، وذلك يوم: 01 مارس 2019م.

هناك 10 تعليقات:

  1. ما شاء الله اخي يوسف واصل ثم واصل انها اصبحت امانة و مسؤولية ان صاحبنا "اوشن" من اولياء الله الصالحين فما انذر امثاله كل يلهث وراء المادة الامن رحم ربك اطال الله في عمره ليستفيد منه الجيل الحالي و وفقك الله في عملك

    ردحذف
    الردود
    1. جزاكم الله خيرا استاذ على الكلمات الطيبة المشجعة، دعواتكم على ظهر الغيب تخفزنا إن شاء الله.

      حذف
  2. جزاك الله عنا كل خير

    ردحذف
  3. بارك الله فيك أستاذ على هذه النبذة التاريخية لهذا الشيخ الفاضل رغم عدم معرفتي من قبل و نسأل الله العلي القدير عن ظهر الغيب أن يرحمه و يغفر له و ينور قبره و يحشره في زمرة عباده الأبرار الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون و نتضرع إليه جل في علاه أن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا إنه سميع الدعاء

    ردحذف
    الردود
    1. جزاكم الله خيرا أستاذ، وشكرا على المرور الكريم.

      حذف
  4. بارك الله فيك اداديك يوسف

    ردحذف
    الردود
    1. وبورك فيكم استاذ، مشكور على المرور وعلى التشجيع.

      حذف
  5. جوزيت خيرا أستاذنا الواهج يوسف على هذه اللمحة عن حياة هذا العلم من أعلام بريان واستاذنك لأخذ منها بعض المقتطفات لوضعها في صفحة مؤسسة الذاكرة للارشفة والتاريخ طبعا تحت اسمكم ولكن الشكر مسبقا

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا أستاذ على المرور والاهتمام، كل ما أنشره هنا هو للجميع، مسموح لكل الناس الاستفادة منه. نسأل الله القبول.

      حذف