الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018


السوق القديم ببريان
حياة بعد ممات

    كما أنَّ الله تعالى يحيي العظامَ وهي رميم، تُحاولُ بعض الإرادات الصادقة إحياء سوقنا القديم ببريان، وقد كادت أحجاره أن تكون رميما، رغم أعمدته المنتصبة، وأقواسه المرتفعة، وجدرانه القائمة، وقد كان يمتلئ حياةً، ويبثُّ في المدينة نشاطا، تُشدُّ إليه الرحال، وتنبتُ فيه الأموال، وينشطُ فيه الرجال، وتَكسِبُ منه ذوات الخلخال.
    ولكن، عندما تحوَّلت أحوال المجتمع بعد الاستقلال، واشرأبَّت الأعناق إلى الآفاق وما وراء البحار، وزاغت قلوب الناس عن منتوج المنسجِ المتين، إلى الرثِّ الخَرِقِ من منتجات الصين، فتهاوى المنسج بأعمدته وسواريه، وقامت في الجهة الأخرى المصانع والورشات، وتكاسلتْ سيِّدة البيتِ عندنا؛ فانطفأت آلة كلِّ إنتاج بالبلدة الجميلة، وكلِّ بلدات بني مُصعب، فأصبح السوق قاعا صفصفا لا حياة فيه، فارغا من أيِّ نشاط أو حركة، هجره أهله وروَّاده والقائمون عليه.

    ولـمَّا الطبيعة تأبى الفراغ، تحوَّل السوق إلى وكرٍ للفارغين من أيِّ أخلاق أو آداب، أو شُغل أو عمل، أو ...، أو .... وضاقت الدنيا بأهل العقل، والحلِّ، والعقد بما رحُبت، وغابت عنهم الحيل، وقصرت لديهم الوسائل، وفشلت المحاولات على تعدُّدها. حتَّى جاءت النخبة من شباب اليقظة، فناضلوا وكافحوا وثابروا بصدقٍ وإخلاص، وصبر وإصرار ومثابرة، فأفرغت ساحةَ السوق من كلِّ ما يدنِّسها، ويشوِّه تاريخها، ويخدشُ نقاء وصفاء روَّاده الأوائل من أعضاء حلقة العزَّابة الصلحاء، وأعيان البلدة الكرام، والخيِّرين من المجتمع.

    ثمَّ اتَّخذت من مقرِّ المحكمة الإقليمية سابقا الذي يتوسَّط الساحة، -وقد كان مهجورا كما السوق، حتَّى تدهورت حالته، ولم يعد صالحا للاستغلال في نظر بعضهم-، مقرًّا رسميًّا لهيئة اليقظة الساهرة على خدمة المجتمع بكلِّ فئاته، وأطيافه، وأحيائه، وتذود عنه كلَّ شرٍّ وسوء.
    وأجمل من كلِّ هذا أن تحوَّل المقرَّ الجميل في عمرانه وترتيب قاعاته ومرافقه، العتيق العبِق بالتاريخ المجيد، والمجد العتيد، بفضل إرادتهم العنيدة، ورشد تفكيرهم، ورقيِّ مساعيهم، وصدق إخلاصهم، وعلوِّ همَّتهم، وتغليب المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة، إلى متحفٍ، أو معرِضٍ، أو مرفق ثقافي راقٍ، مشرِّف للبلدة وأهلها، يضمُّ تاريخا ناصعا، وتراثا ثريًّا، وحضارة خالدة، يحفظها من الضياع، كما يحفظها من التشويه والعبث والتزوير، ويقدِّمها من جهة أخرى مادَّة علمية للهويَّة المزابية الجزائرية المسلمة، ويخدم بها المواطن، والسائح، والطالب، والباحث، الكاتب، والمؤرِّخ.
    وقد وجدتُـه كذلك والله، عندما اطَّلعتُ على أقسامه الأربعة، مرسومة بمنهجية تبعد عنه الترتيب العفوي، وتساعد الزائر والباحث على الاستفادة منه، بشكلٍ جيِّد، وهو على أربعة أقسام:
     القسم الأوَّل: مخصَّص للأعلام من مشائخ وعلماء وأعيان البلدة والمخلصين فيهاقديما وحديثا.
   القسم الثاني: يعرض إنتاج المرأة الماكثة بالبيت، على اختلاف أنواعه وأشكاله، للمشاهدة أو للبيع، وفي كلتا الحالتين هو تشجيع ومساندة للمرأة المنتجة.
  القسم الثالث: يرتِّب الحياة الاجتماعية لسكَّان المنطقة بين الماضي الحاضر، من زاوية الأغراض والأواني والوسائل التي كانت تستعمل عبر الفترات والحِقَب.
  القسم الرابع: يقدِّم للأجيال الحاضرة واللاحقة أسماء وتراجم وتاريخ  المناضل والمجاهد والشهيد، خلال المقاومة الوطنية، والحركة الوطنية، وخلال الثورة التحريرية (1954/1962).
    وبهذا خصوصا، أصبح السوق القديم ببريان، مزارا للسائح الزائر الوافد، كما لابن البلدة عندما تتوق نفسه إلى ماضيه الجميل، وللمثقَّف والباحث عن تاريخ وتراث وحضارة البلدة والمنطقة.
    فبالمناسبة، أدعو البريانيين والبريانيات عموما، والمثقَّفين منهم خصوصا إلى زيارة هذه التحفة الجميلة الرائعة في نوعية العمارة التي بُنيت عليها، والتحفة في تنظيمها ونظام تسييرها، والتحفة فيما تضمُّه من ذاكرة جماعية للأمَّة والمنطقة عموما ولبريان خصوصا، والتحفة في الرسالة التي تحملها جمعية أو خليَّة اليقظة، من أجل المجتمع بكلِّ أطيافه وفئاته وأحيائه.
    وإنِّي لأعجبُ والله أن أرى شخصا يدبُّ على أديم هذه البلدة الطيبة "بريان"، ولم يدخل إلى هذا المعلم التاريخي، الشاهد الحيِّ على كثير من الأحداث التي مرَّت على بريان والمنطقة، إضافة إلى ما عاشه وشهده وحفظه من حياة اجتماعية وتاريخ وتراث، (وقد كنتُ شخصيا من الغافلين بكلِّ أسف).
    وقبل الانصراف، أتقدَّم بالشكر الكبير في هذا الجهد المتميِّز، إلى السيِّد الفاضل: بالحاج بن إبراهيم ابن عشار (حفظه الله) الذي قاد العمليَّة رفقة زملائه المخلصين من رجال اليقظة الساهرة، فأنجزوا هذا الإنجاز العظيم، رغم الصعوبات والعراقيل الكبيرة. -"إنَّ للهِ رجالا إذا أرادُوا أرادَ"-

بقلم: يوسف بن يحي الواهج

هناك تعليق واحد:

  1. Merci chère frère Youssef pour cette piqûre de rappel pour une prise de conscience générale des acteurs publiques et de la société civiles et les associations. Il est très important de préserver et sauvegarder ce patrimoine historique ainsi que d’autres, ou tout du moins de ce qu’il on reste, dans notre belle ville de Berriane. Un grand merci aux membres de la cellule de vigilance et à son responsable fidèle et dévoué Mr Bennachar Balhadj.

    ردحذف