باسليمان بن إبراهيم لمنوَّر
v نُــــتَــابع:
وهنا أترك
اليراع من بين أناملي، لأفسح المجال لفضيلة الشيخ عبد الرحمان بن عمر بكلِّي (رحمه
الله) ليحكي لنا تفاصيل نهاية المجاهد الكبير: إبراهيم بن سليمان باسليمان
لَمنَوَّر، لأنَّ كان رفيقه في عمليَّة الاعتقال، ثمَّ ترحيله إلى سجن الأغواط،
وهو شاهد عيان لكلِّ ما جرى له ولرفيقه إبراهيم لمنوَّر، فيقول في مذكِّراته: مقتطفات
من مذكِّرات البكري، صفحة: 610.
-"ما
كادت تبزغ شمس يوم الجمعة 12 أغسطس 1957م، حتَّى طرق رجال الدركِ (الجندرمة) باب
داري بعنف، وقد كان الفصلُ صيفا ونحن لا نزال ننام على السطح، فأشرف الابنُ بابا
عمِّي صالح بن إبراهيم لينظر من الطارق، فقال: إنَّهم رجال الدرك، فنزلتُ وأصلحتُ
هندامي بسرعة وأخذتُ معي ثلاثة آلاف وخمسمائة فرنك قديمة (3500 فف)، ثمَّ فتحتُ
الباب فاستقبلني كوكبة من الجندرمة، وأخذوني توَّا إلى سيارة "جيب" كانت
في انتظاري، فلمَّا وصلتُ إذا بالأخ باسليمان إبراهيم المنور (الدكدوك) قد جيء به
هو أيضا، وقد اقتحم عليه الدار وهو لا يزال على فراشه في لبسه المتفضِّل، ولم
يمهلوه أن يلبس ثيابه، لذلك لم يصطحب أوراقه ولا بعض النقود لحاجته، فسارت بنا
السيَّارة متجهة نحو الأغواط يخفرها جنود وضبَّاط عسكريون، حتَّى وصلنا إلى
الأغواط، فدخلت بنا إلى القشلة القريبة من الملعب بمدخل المدينة.
وبعد إلمامة
قصيرة -ربَّما تلقَّى أصحاب السيَّارة أوامر- واصلت السيَّارة سيرها إلى القشلة
الكبيرة حيث رجال المظلاَّت، وإن شئتَ فقل إلى الجحيم الأرضي الذي أعدَّ فيه
الاستعمار للمعضوب عليهم من قِبَله أنواع التعذيب والإذلال. وهناك أُدخلنا بكيفية
مزعجة كأنَّا نساق إلى المقصلة ولم نُمهَل أن نضع مصالحنا بمكتب القشلة. بل
دعُّونا دعًّ مقصودا ليتأتَّى لهم تفتيشنا بعد، وابتزاز ما لدينا من نقود، وقد
تواطأ الجنود ورؤساؤهم بكيفية لا نشعر بهذا التواطؤ ذلك أنَّهم يفعلون ذلك أوقات
القيلولة إذ يقيل أولئك الرؤساء، وهو عين ما حصل. فقد جاءت طائفة من الجنود في
القيلولة وفتَّشوني أنا ورفيقي بعد أن أنزلوا بنا ضربات قاسية إرهابا وتوهينا،
أمَّا أنا فوجدوا عندي الثلاثة آلاف وخمسمائة فرنك فأخذوها، وأمَّا رفيقي فقد
ضربه أحد الجنود بحزمته في صدره فصاح صيحة ظننت أنَّ روحه قد خرجت معها حيث
خاب ظنُّهم فيه. وبعد ذهابهم خاطبني رفيقي قائلا: سأرفع شكواي إلى رئيسهم وأخبره
أنَّهم أخذوا دراهمك."
لأنَّ
إبراهيم باسليمان لا يقبل الظلم أبدا، ولو كان في ظروف صعبة كهذه، كما قلنا آنفا.
إلى أن يقول
الشيخ البكري: -"جاء الضابط غدا فسألني هل ما يشكوه رفيقك صحيح؟ أجبته نعم،
جاء جنود ففتَّشونا وأخذوا ما بهمياني من دراهم .."-
ثمَّ يقول
الشيخ البكري: -"هذا وفي يوم من أيَّام الأسبوع الأوَّل، بعد أن تعشَّينا
وأدَّينا المفروضة وآوينا إلى فراشنا وأغلقوا علينا الزنزانة بالسلاسل والأقفال
والرتاج، ومضى هزيج من الليل فُتح الباب من جديد ونودي باسليمان إبراهيم أجاب:
نعم، فقيل له تعالى، فقام وذهب صحبتهم وأعادوا غلق الباب، فانتظرت رفيقي وانتظرت
ومضى الليل ولم يعُد، فقلتُ ليت شعري: أين هو وماذا فُعل به ومضى يوم ثانٍ حتَّى
جاء أحد الجنود الذي يتودَّد للسجناء فأخبرني أنَّ رفيقي قد أطلق سراحه، فقلت له:
هنيئا له والعاقبة لي، ظنًّا صدق المخبر، ..."-.
ولم يعلم
الشيخ عبد الرحمان عن استشهاد رفيقه باسليمان إبراهيم لمنوَّر، إلاَّ بعد إطلاق
سراحه، حيث يقول: -"قصدتُ الأخ البليدي بدار العرش فكان السيِّد ابن يوسف حاج
بابه بن بكير أوَّل من لقيني وسلَّم عليَّ ثمَّ قال: عظَّم الله أجرك في
المنوَّر! قلت له أمات؟ متى؟ وأين؟ أجاب بسجن الأغواط إثر دخولكما بنحو أسبوع
قلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾.
فيا لنقمة
الله أنزلي على هؤلاء الظلمة السفَّاحين، وقلِّص ظلمهم من ديارنا إنَّك سميع
الدعاء...".
رحم الله تعالى الشهيد واسكنه فسيح الجنان.
مع تحيَّات: يوسف بن يحي الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق