أحرَّاﭪْ - الراعي
لا تستغني
الأسرة المزابية أبدا عن تربية العنزة بصفة خاصَّة في بيتها، إضافة إلى بعض
الحيوانات الداجنة المفيدة للأسرة، كالدجاج، والحمار، والحصان؛ هكذا كانت إلى عهد
قريب جدًّا، ولا يزال بعضها إلى يومنا هذا، ولكن بطريقة ونظام غير الذي كان سائدا
من قبل.
ولا تكاد تجد
بيتا من بيوت مزاب خاليا من مربطٍ ومأوى مخصَّص لعنزة واحدة، وأكثر، حتَّى صارت
العنزة فردا من أفراد العائلة، عليها رعايتها وإطعامها، والاهتمام بها، كما تهتمُّ
بأنائها وبناتها، وأفراد أسرتها.
ولـمَّا
عمَّت تربية العنزة في كلِّ بلدات وادي مزاب، لم يعد من المعقول أن تبقى العنزة
حبيسة أربعة جدران، وكثيرا ما تُحشر المسكينة في زاوية صغيرة من زوايا البيت، تحتَ
السلم، أو الدُرج الصاعدة إلى الطابق الأول، أو وراء باب مدخل البيت، أو ...،
إضافة إلى الآثار السلبية التي تخلِّفها على المحيط السكَني، كأوساخ فضلاتها، ورائحتها،
وغير ذلك من المظاهر السلبية على البيئة.
لهذا فكَّر
ولاةُ أمور المجتمع المزابي منذ القديم تنظيم هذا الأمر، بعد أن أصبحت العنزة ثروة
اقتصادية يشترك فيها المجتمع كلُّه، وغدت ثروة اقتصادية في المجتمع، يعيش بها
اكتفاء ذاتيا في الحليب ومشتقَّاته، واللحم وما يتصل به من غذاء متنوِّع.
والمجتمع
المزابي كما هو معروف، مجتمع منظَّم مؤسَّساتي، لا يسمح للمستجدَّات التي تفرضها
التطوُّرات المتعاقبة المترادفة، والمستجدَّات الحياتية أن تدخل الوسط الاجتماعي
دون نظامٍ وضوابط، تمكِّن القيادة والمؤسَّسات الدينية والاجتماعية على مراقبتها
وتوجيهها للمصلحة العامَّة.
فوجد ولاة
الأمر أنَّه من الحكمة إخراج العنز إلى خارج البلدة في قطيع جماعي، يضمُّ كل
العنزات التي تملكها الأسر في المدينة، ولا بدَّ من شخص يتولَّى الأمر، ويقوم بهذه
المهمَّة. فوضعت لذلك نظاما يضبط أمور القطيع، ويصلح لكلِّ الأسَر، وضوابط وشروط
خاصَّة بالشخص الذي يتولَّى شأن القطيع، ويرعاه خارج المدينة.
فكانت هذه
الشروط الخاصَّة بالراعي أَحرَّاﭪ.
01- أن يكون شابًّا أو كهلا يتَّسم بالحيويَّة والنشاط.
02- أن يشهد له محيطه ومعارفه بالاستقامة والصلاح والأمانة.
03- أن يكون ساكنا بالبلدة أو محيطها القريب منها.
04- أن يكون عارفا بمناطق الرعي في البادية المحيطة بالبلدة.
05- أن يحترم أعراف وأخلاق وخصوصيات البلدة.
06- أن يحافظ على سلامة وصحَّة وأمن القطيع.
07- أن يلتزم بمواقيت الخروج صباحا، والعودة مساء.
08- أن يضمن عودة كلِّ عنزة إلى صاحبها، أو يبرِّر سبب
غيابها.
09- لا يقبض أجرا على التيس والجدي، حتَّى تحمل أمُّه حملا
آخر.
10- يعيِّنه مجلس الأمناء لاَوَمْنَا، ويعود إليه عند الحاجة.
أمَّا حقوقه، فيذكرها فضيلة الشيخ الحاج ابراهيم الـﭭـرادي
(رحمه الله) في كتابه القيِّم: رسالةٌ في بعض أعراف وعادات تقاليد وادي ميزاب،
فيقول:
ومن جملةِ الحقوق التي يأخذها ما يلي:
أ-
عرقوبا من كلِّ أضحية يملكُ صاحبها معزة في القطيع، ويُسمَّى "كْرَاعْ
الرَّاعي".
ب-
كمِّية تقدَّر بنصف حِثْـيَـة من طعام في كل عرس وفي كل مأتم وفي كل مقبرة
من مقابر الشتاء، أي الطعام الذي يُصنع للصدقة في تلك المقبرة.
ج- مُـدٌّ من شعير عندما يبشَّر
أهل الدار بميلاد معزتهم فهو الذي يحمل الجدي إليهم.
د- يحلبُ من كل معزة نصف حليبها
في الصيف إذا كان يسقي القطيع.
ه- يجيء بجلد المعزة إن ماتت في
حوزته أو أي أمارة تدل على صدقه.
و- أن يقوم بمراقبة التُّــيوس
وما عساه يلزمهم من أكل من البلدية أو المسجد.
ز- يوصلُ أولاد المعزة إذا ولدت
عنده إلى الدار التي تملك المعزة، ويعطونه البشارة ممَّـا تيسَّر
كمُدٍّ من تمر أو مُدٍّ من
شعير.
ح- إذا وقعت تعدية على القطيع
فعلى البلدة أن تُنجد الراعي. (صفحة: 172).
أخيرا، لمَّا
استغنى الناس عن العنزة في البيت، ضاق السكنُ بأهله، ولـمَّا تعدَّدت مصادر
الحليب، انتشر داء الليشمانيوز، ولـمَّا اختفى القطيع (لْحَرَّاﭪْ) من القرية،
استوحشت طرقاتها وحاراتها.
بقلم: يوسف بن يحي الواهج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق