الأحد، 27 أغسطس 2017

شؤون إجتماعية: أبرَّاح - البراح

أَبَرَّاح – البرَّاح

    أَبَرَّاحْ، البرَّاح، أو القائم بالمهمَّة الاعلامية كما يعبَّر عنه حاليا، فيقوم بما يقوم به رجل الاعلام حاليا، وفي ذلك الحين لم يكن الاعلام بالمفهوم العصريِّ شيئا مذكورا، في منطقتنا بوادي مزاب، ولا في الجزائر ولا في أغلب البلدان العربية.
    فجاءت وظيفة البرَّاح لتسدَّ هذا الفراغ، أو جاءت بذرة ونواةً لإعلامٍ سيتطوَّر ويتطوَّر، فكبُر وعظمَ إلى أن أصبحَ سلطةً رابعةً، تتحكَّم حتَّى في الوضعِ والتوجُّه العامِّ لكثير من المجتمعات، وربَّما حتَّى في هيئات ومراكزِ القرار.
    أمَّـا البرَّاح في المدنِ المزابية أوجدَته الحياةُ الاجتماعية، والخصوصية المحافظة للمجتمع المزابي، فكان لحضور البرَّاح قديما بين المزابيِّين أسبابٌ عديدة، أهمُّـها:
-      غياب المحلاَّت التجارية عن داخلِ المدينة.
-      استقرار المرأة في بيتها، وعدم خروجها للتسوُّق.
-      منع البنتِ منذ بلوغها الشرعي من دخول الأسواق.
-      خروج أغلب الرجال من المدينة إلى البساتين، أو للسفر.

    فأمام وضعٍ كهذا، تُحرمُ الأسُر من الكثير من الخيرات التي تدخل السوق، خاصَّة تلكَ التي تنخفض أسعارَها في موسمها، بكثرة الانتاج محلِّيا، أو دخولها السوقَ من خارج البلدة؛ والبرَّاح وحده هو الذي يبلِّغ خبرَ أو أخبار السوق إلى آذان الساكنين والساكنات داخل المدينة.
    ولمـــَّا يصل الخبر إلى المعنيين، يتوجَّه بعض الشباب خصوصا إلى السوق مكلَّفا من عددٍ من البيوت، ليقتنيَ لها ما ترغبُ بصفة جماعية، وقد يتجوَّل البرَّاح نفـسُه بالبضاعةِ إذا كانت خفيفة الحملِ بينَ طرقاتِ البلدة، ينادي باسمها وبسعرها، فترسِل الأمُّ أحدَ أبنائها الصغار، أو ابنتها الصغيرة لاقتناء حاجتها.
    وقد أدركتُ وأنا صغير السنِّ برَّاحا ينادي في البلدة مسقطِ رأسي، بالسمكِ عندما تصلُ شاحنة محمَّلة به من إحدى المدنِ الساحليَّة؛ كما أدركتُ البرَّاح نفسَه يتجوَّل في البلدةِ وعلى رأسه صينيَّة نحاسيةٌ كبيرة مملوءة على شكلِ هرمٍ بالفطائر التونسية، أو ما يسمَّى محلِّيا بــ: أَسْفَنْجْ.
    والبرَّاح عادةً يكون من أعراب البادية، متعوِّد الجلوس خارجَ البلدة، يترقَّبُ وصول الشاحنات أو القوافل المحمَّلة بالبضائع المختلفة، ولا يُسمَح له بالدخول إلى أعماق المدينة حتَّى يكونَ معروفا لدى المؤسَّسات العرفية فيها، ولدى أعيانها باسمه الحقيقيِّ، وعائلته، وعشيرته، ومسكنه، وماضيه؛ ولا بدَّ أن يكونَ على أخلاقٍ كريمة، وصفاتٍ حميدةٍ، وسيرةِ حسنة بين أهله وخلاَّنه، ويشهد له بذلك أقرانُـه ممَّن يعرفه ويتعاملُ معهم.
    وإن رأى ولاةُ أمور البلدةِ والقائمون على شؤونها في البرَّاح أمرا مشبوها، أو وصلهم عنه خبرٌ يشينه، ويطعنُ في نزاهته وصلاحه، مُنعَ من ممارسة هذه الوظيفة بين جدران وأزقَّة المدينة.
    وقد انقرضَت هذه الوظيفة نهائيا عن المنطقة كلِّـها في زمنِنا هذا، بعد انتشار المحلاَّت التجارية في كلِّ مكانٍ، واستقرارِ الرجلِ المزابي في مزاب، وازدهارِ الحركة الاقتصادية.


بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق