الاثنين، 21 أغسطس 2017

شؤون إجتماعية: أَبْشِـير-المبشِّر

أَبْشِيرْ –  المبشِّر

    أَبْشِيرْ، أو المبشِّر، بالتعبير الفصيح، هو ذلك الشخص الذي يأتي بالأخبار الـمُـفرحة؛ ولــ "أَبْشِيرْ" المبشِّر في المجتمع المزابي خصوصا قيمةٌ كبيرة، ووقع نفسيٌّ عظيم جدًّا، حتَّى استأنس بتغريدات الطير الأليف، المعروف في المجتمع باسم: "بُوعُودْ" فجعل من تغريده بشارةً أو بشاراتٍ كأنَّها تعبِّر له عن خبر أو أخبارٍ سارَّة تفرحه وتسعده، وبصفةٍ أخصّ في الوسط النسويِّ.
    وقد أصبحَ معروفا لدى العامِّ والخاصِّ، أنَّ الرجل المزابيَّ منذ القديم، وإلى يومنا هذا، نشأ ولا يزال على ثقافة وفِكرِ وعادَةِ السفر من أجل الكسبِ والاسترزاق وتحسينِ وضعهِ المادِّي والاجتماعي، وكان في القديم إلى السنوات الأولى من استقلال الجزائر، يعاني في أسفاره هذه صعوبةَ العيش حيثُ يعمل، أو في مسقطِ رأسه بمزاب، وصعوبة التنقُّل من الشمال إلى أغلان (مزاب) بغياب الأمن في الطرق، وافتقاد وسائل النقل أو ندرتها؛ فكان يفضِّل إطالة مدَّة مكوثه في غربتِه فتراتٍ طويلة، تصلُ أحيانا إلى سنوات عديدة، تزيد على العشرِ سنوات في كثيرٍ من الأحيان.

    ومع طول هذه المدَّة من الغياب تبقى الأسرة بكاملها مستقرَّة في مسقطِ رأسِ الرجلِ المسافر بمزاب، لهذا يكبُرُ شوق أبنائِــه وبناتِــه وزوجتِه إليه؛ ونفس الشيء بالنسبة للأب أو الجدِّ المتقاعد أو المقعَد في البيت، الذي يفتقد ابنَه أو حفيدَه الغائب، ويطول غيابه لسنوات عديدة كما أشرنا.
    وبقدر الشوق تكبر وتعظم قيمة ومكانة الشخص الذي يحمل بشارة وصول الزوجِ أو الابنِ أو الأخِ من سفره، ومن شدَّةِ الفرحةِ تغدقُ المرأة على المبشِّرِ (أَبْشٍيرْ) من الهدايا والعطايا والاكراميات ما يسعده ويفرحُه، وقد تُهدِي له ما بين يديها في تلكَ اللحظة، ولو غلاَ ثمنه، أو علتْ قيمتُه.
    وحتَّى الطائرُ الأليف: بُـوعُودْ المرافق للأسرة في يومياتها، أصبحَ تغريدُه لغةً تفهمها المرأة المزابية، فإن توسَّمت في تغريداته بشارةً عن خبرٍ سارٍّ يفرحها، تخاطبه قائلة:
-       خِيرْ، خِيرْ أَبُوعُودْ، بَـتَّا يُوسَيِّــيدْ أَيْـــنِي خْسَغْ أَشُوشَغْ تِيفِرْتَــتْشْ. أي (خير، خير، أيُّها الطائر، إذا جاءني ما أحبُّ، أعطيكَ هديَّة).
    وحتَّى الأطفال الصغار، لهم دورهم في عمليَّة التبشير بوصول المسافر الغائب، فما أن يروا أحد المسافرين من جيرانهم يصلُ الحيَّ أو الشارع، حتَّى يتسابقوا إلى بيته ليبلِّغوا خبرَ وصوله إلى أهله، حتَّى يغنمَ أوَّلُهم بالهديَّة أو يتقاسموها بينهم، وقد تكرمهم ربَّة البيتِ فرادي بهديَّة لكلِّ واحدٍ منهم.
    وتتمثَّل الهدايا في أغلبها للأطفال الصغار في قِطَعٍ من الحلوى، أو كمِّية من التمر الجيِّد؛ وللبالغين في قطَعٍ نقديةٍ تكبُر وتصغر قيمتُه حسب سنِّ الطفل، وحسب أهمِّية البشارة، وحسب شوق وتقييمِ المبشَّرِ للبشارة؛ وللطائر بُوعُودْ في كمِّية من الحبوب الصافية من المخزون الغذائي للأسرة، أو غيرها ممَّا يفضِّله من المأكولات.
    ولا تقتصر عمليَّة التبشير أَبَشَّرْ على وصول المسافر من غيبته، إنَّما ذكرناها هنا لشيوعها وكثرتها في المجتمع المزابي، كشيوع وكثرة السفر عند الرجل المزابي؛ بل تتنوَّع إلى مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية، كاستظهار الطفل للقرآن الكريم، أو ختمه، أو وصول الحاجِّ من رحلته الايمانية، أو تقدُّم شابٍّ لخطبة فتاة، أو شفاء مريض عزيز، أو نجاح عملِّية جراحية لشخصٍ عزيز، أو ...
    وهناك ردٌّ موحَّد متعارفٌ عليه، تتداوله الألسن عند وصول أيِّ بشارة، وهو: إِيبَشْرَكْ بالخَيرْ.


بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق