الأربعاء، 22 يونيو 2016

شخصيات

الحلاَّق
"أأمن الناس على الناس"


    وضعتُ رأسي بين يدي الأستاذ: الحاج محمَّد بن قاسم أزﭬــاو، عميد الحلاقة العصرية في بريان1 "والحلاَّق أأمن الناسِ على الناس"، قلتُ وضعتُ رأسي بينَ يديِّ الحلاَّق، ليمارسَ عليها فطرةَ سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، ويزيد من عنده اللمسات الفنِّية العصرية، التي تـتقنها أنامله بجدارة.
    وقبل أن يبدأ عمله، سألني، قائلا:
-      كم أُنقصُ لكَ من الشَعر؟
    قلتُ له:
-      بقدرِ ما يغنيني عن الحلاقة مرَّة أخرى عندما يأتي العيد.
    فسألني مرَّة أخرى:
-      أحلق لكَ بالمقصِّ، أم بالآلة الكهربائية؟
    أجبتُه قائلا:
-      أفضِّل المقصَّ على الآلة الكهربائية يا سيِّدي، فللمقصِّ على الرأسِ نغمات موسيقية جميلة، تخرج من بين المقصِّ والشعر وأناملك الماهرة.
    تبسَّم ضاحكا وانطلق في عمله باحترافية عالية.
    فبدأ عمله بصدقٍ، وإخلاص، وأمانة، "والحلاَّق، أأمنُ الناس على الناس" بينما الفكرُ منِّي يعود إلى الماضي السحيق، بسنوات وعقود، ويحيِي فيَّ ذكريات صبايَ، وأيَّامَ شبابي الأولى، حيثُ كنتُ أتردَّد عليهِ صبيًّا يافعا، بعدما تحرَّرتُ من الحلاقة التقليدية عند المرحوم الشيخ محمَّد البرياني، لأتزيَّن بتقليعة أو تسريحة la coupe، حتَّى أكون مثل أترابي وزملائي في العصرنة ومواكبة الموضة.

    وكنَّا نحنُ فتيان الستِّينيات والسبعينيات وحتَّى الثمانينيَّات من القرنِ الماضي، الزبائنَ الأوفياءَ للحلاَّق العصري: محمَّد بن قاسم أزﭬـــاو (حفظه الله)، بل حتَّى الحلاقة العُـــرسية عند زواجنا كان هو الذي يقوم بها، وإلاَّ لن تكتمل زينة العريس.
    وفي سنوات شبابي وكهولتي كنتُ وما زلتُ أتمتَّع بممارسة الشعيرة الابراهيمية (الحلاقة)، والجلوس في صالونه الجميل، خاصَّة بعدما عرفتُ صالونات حلاقة وحلاَّقين هنا وهناك خارج مدينة بريان العامرة، فبها وبهم عرفتُ أنَّ الحلاقة فنٌّ وحرفةٌ واحترافٌ، وبين حلاَّق وحلاَّقٍ اختلاف كبير في كثير من الفنِّيات الذكية، ولكلِّ واحدٍ منهم بصمته الخاصَّة.
    ولأستاذنا محمَّد أزﭬــاو فنِّيات وبصمات تميِّزه عن غيره من الحلاَّقين في كلِّ مكان، إلاَّ في تلاميذه الذين تخرَّجوا على يديه؛ إنَّها تلك اللمسات الفنِّية التي نفتقدها اليوم لدى أغلب الحلاَّقين، خاصَّة لدى الشباب منهم، مثل تنظيف الأذنين والأنف من الشعر الطفيلي الزائد، وما ينتشر منه على أسفل الرقبة، وكذلك الحاجبين لدى الشيوخ خاصَّة.
    فإن وجدتَ اليوم في البلدة من الحلاَّقين من يقوم بهذه اللمسات، تأكَّد أنَّه قد تتلمذَ لدى شيخ الحلاقين المعاصرين، الأستاذ محمَّد بن قاسم أزﭬــاو، أو تلميذ أحد تلاميذه.
    فبالمناسبة، أوصِي أبنائي وإخواني الحلاَّقين من الشباب خصوصا، أن يحافظوا على هذه اللمسات الجميلة، والبصمات المتميِّزة التي تميِّز الحلاقة البريانية بصفة خاصَّة.
    إلى هنا وصلَ مقصُّ الحلاَّق إلى نهاياته، فاستفقتُ من استعراض شريط الذكريات الجميلة، بدغدغته الممتعة في الأذن، يقصُّ منه الشعيرات الطفيلية الزائدة، وفعل مثل ذلك مع الأذن الأخرى، ومنخرَي الأنف.
    فقلتُ له:
-      صدق من قال "الصَنْعَة جْبَلْ، والجْـبَلْ ما يتْحوَّلْ" بهذه الميزة عرفتـُـــك أستاذ منذُ كنتُ صغيرا. وهذا ما يتميَّز به الحلاَّقون الذين تتلمذوا على يديكَ.
    فاسترسلنا في الحديث عن الحلاقة وخصائصها وفنِّياتها، وتأسَّفنا على غياب الروح الفنِّية الإبداعية الراقية في الحلاقة، وتدهورها إلى ما نراه اليوم على رؤؤس الشباب الذين حوَّلتهم التقليعات الحديثة إلى كائنات غريبة عن الانسانية.
    ولــمَّا ترحَّم على من علَّمه هذه الحرفة، اغتنمتُ الفرصة، فسألته عن بداياته في المهنة، وكيف، ومتى، ومِمَّن، وأين تعلَّم الحلاقة؟؟
    فقال، وهو سعيد:
-      تعلَّمتُها في مدينة الجزائر العاصمة، عندما كنتُ أشتغل في محل المرحوم: بغوتي وشركائه، للمواد الغذائية، بحيِّ القصبة، عند الحلاَّق أرزقي، الذي يوجد صالونُــه بجوار المحلِّ الذي كنتُ أشتغل فيه.
    وإلى السيِّد أرزقي (رحمه الله حيًّ أو ميِّتا) يعود فضلُ تعلُّمي الحرفة، فهو الذي عرض عليَّ الفكرة، وراقت لي، غير أنَّني كنتُ أعلم أنَّ رؤسائي (لَمْعَالِيمْ) في العمل لن يقبلوا بذلك، فرغَّبني أن أتعلَّم منه في ساعات وأيَّام الراحة، على قلَّتها، كأيَّام العطلة، وبعض الأوقات اليومية القليلة جدًّا، على حساب راحتي.
    فتعلَّمتُــها ولله الحمد حتَّى تحصَّلتُ على الدبلوم فيها، واستخرجت بطاقة الاحترافية، على حساب راحتي البدنية من أشغال المحل التجاري، ودون علم رؤساء العمل (لَمْعَالِيمْ)؛ وبعد ذلك قدِمتُ إلى بريان لأعمل حلاَّقا محترفا على الطريقة العصرية، وأبدأ مرحلة جديدة من حياتي معتمدا على نفسي في كسب قوتي، وتطوير الحرفة في بلدتي من التقليدية البسيطة، إلى العصرية الجمالية الاحترافية، ورفع الوعي الجمالي للإنسان في النظافة والاهتمام بالهندام.
   ويشاءُ القدَر، فيجلس على الكرسيِّ في صالوني أحد رؤسائي في العمل بالعاصمة، فسألتُه إن كان سيسمح لي بتعلُّم الحلاقة يوم كنت أعمل تحت مسؤوليته في المحلِّ التجاري إيَّــاه؟؟،     فقال: بكلِّ صراحة، والله ما كنتُ لأسمح لك بذلك.
    ختاما، أفيد القرَّء الكرام، أنَّ:
-       الأستاذ: محمَّد أزﭬــاو بن قاسم من مواليد: 10 أفريل 1947م.
-       بمدينة بريان، ولاية غرداية.
-       تحصَّل على بطاقة الكفاءة المهنية في الحلاقة، سنة: 1972م.
-       متقاعد حاليا، ولكن المزابي لا يتقاعد إلاَّ في قبره، أطال الله عمره، وجزاه عن بلدة بريان كلِّها خير الجزاء. آمين.
بقلم: يوسف بن يحي الواهج

 
 




    ------------        1-             ربما هو أيضا عميد الحلاقة العصرية على مستوى وادي مزاب. (تحتاج المعلومة إلى تأكيد).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق