تحدِّيات المرأة المعاصرة
أمام الفتاة
الشابَّة في أيَّامنا هذه تحدِّيات كثيرة، وكبيرة وصعبة جدًّا، أجدُ نفسي مشفقا
عليها أيَّما إشفاق، خاصَّة في المجتمعات الشرقية التي تحكمها الشرائعُ السماوية،
والأعراف الاجتماعية، والتقاليد الموروثة. فترى الفتاة حائرة، كمن يقف في مفترق
طرقٍ، تختلط عليها الاتجاهات، فلا تتبيَّنُ أيُّها الأصلح والأسلم، لتأخذها مسلكا
نحو السعادة والنجاح في مستقبل حياتها.
والفطرةُ في
الأنثى كما وضعها الله تعالى،
تجعل أولى أمانيها، وأهمَّ أهدافها، وأجمل أعمالها، وأسعد لحظاتها في الحياة، أن تكون امرأة مرغوبة، وأنثى مطلوبة، وزوجة مشروعة، وأمًّا محبوبة، وجدَّة مكرَّمة.
ولكنَّ الأمر ليس بيدها في وطننا العربي، والمجتمع
الشرقي، فهي فيهما تنتظر مكتوبها، كما يقولون لها، تنتظر الرجل ليتقدَّم، فيطرب
باب أهلها، ويطلبُ يدها من وليِّ أمرها، ليس منها مباشرة وهي صاحبة الشأن؛ فترضى
إن رضيَ وليُّ أمرها، وليس لها أن ترفض إن رضيَ، وليس لها أن ترفضَ إذا رضيَ هو.
ومن العيب
الكبير، والجرم العظيم أن تطرق هي بنفسها باب رجلٍ لتطلب منه يده مباشرة، أو من
أهله وذويه ووليِّ أمره؛ وإن تجرَّأت وفعلت، وُسِمت بكلِّ صفة قبيحة وخلقٍ ذميم.
لهذا نجدها
المسكينة في حيرة من أمرها، حيرة بين انتظار العريس فارس أحلامها، وبين اتخاذ
الأسباب التي تجذبه وتجلبه وتقوده إليها، في عصرٍ تهاوت فيه المبادئ لدى الرجال،
وتعدَّدت الأهواء فيهم، واختلفت المشارب بينهم، وتقاطعت الأهداف أمامهم من الزواج،
ومن الأمومة والأبوَّة، ومن إنشاء الأسر، والعيش ضمن حياة اجتماعية سويَّة.
فأصبح الأمر
لدى الفتاة تحدِّيا كبيرا معقَّدا، صعبٌ عليها ركوبه، حتَّى تجد من الفتيان من
ينظر إليها بنظرة الرضى والاعجاب، والرغبة والحبِّ، والشهوة والاحترام؛ وأصبحت لم
تعد تدري أيَّ مركبٍ تركب، ولا أيَّ مسلكٍ تسلك.
أتكون المرأة
الصالحة الملتزمة بشرع الله تعالى قولا وفعلا، سرًّا وعلنًا؟، أو تكون المرأة المتعلِّمة
العاملة حاملة الشهادات العلمية والمهنية؟، أو تكون المرأة العصرية المتفتِّحة على
العالم في ثقافته وحضارته وموضته وعصرنته، أو... أو....
ولا زالت
كذلك أمام تحدِّيات كثيرة متعدِّدة، في موقف صعبٍ للغاية، في زمنٍ يزداد صعوبة
وشدَّة في ظلِّ العولمة الجارفة، التي تهدم الفوارق والحواجز بين الحضارات
والمجتمعات والثقافات والأديان.
وهذا الوضع
الاجتماعي والنفسي الصعب، الذي تتعدَّى آلامه إلى الأسرة والمجتمع على السواء، هو
الذي دعاني إلى التفكير في بجدٍّ، حتَّى أحصيت عشر تحدِّيات أمام الفتاة والأسرة
والمجتمع، أتمنَّى من مفكٍّري ومثقَّفي ومرشدي الأمة أن يولوها بعض اهتمامهم
الفكري، لعلَّهم ينفعون الأمَّة برأي سديد، وحلٍّ رشيد يخفِّف على بناتنا بعض
المعاناة.
وهذه
التحدِّيات العشرة هي:
01-
تحدِّي التديُّن والاستقامة.
02-
تحدَّي الحسن والجمال.
03-
تحدِّي العلم والمعرفة.
04-
تحدِّي العمل والوظيفة.
05-
تحدِّي الخُلُق واللباقة.
06-
تحدِّي الحرف اليدويَّة.
07-
تحدِّي التدبير المنزلي.
08-
تحدِّي الحوار والتواصل.
09-
تحدِّي الموضة والعصرنة.
10-
تحدِّي الجنس والرومنسية.
أكتفي اليوم بسردها في جملٍ قصيرة، لأنَّ كلَّ واحدة منها
تحتاج إلى صفحات تسوَّد، وساعات يجود بها الكاتب، حتَّى يعطي لها حقَّها من الشرح
والتبسيط والتوضيح، وهذا ما أتمنَّى أن أنجزه في يوم قريب إن شاء، خدمة نصوحة
لابنتي وأختي العزيزة في المجتمع المسلم.
فعلى الفتاة
الشابَّــة، ابنة الألفية الثالثة، أن تعمل بجدٍّ ووعي ومثابرة، حتَّى تكسبَ رهان
هذه التحدِّيات، لتعيش سعيدة في خِدرِها مع زوجها، ويعيش الزوج معها سعيدا في
عشِّه بجانبِ حِبِّه؛ وتحيا حياة عصرها المتحضِّر، بنكهة أصالتها وقيَمها
وأخلاقها، ويجد الزوجُ فيها كمال الأنوثة، ورقيَّ الفكر، وسعة المعرفة، فلا تزيغ
عينه، ولا يطْــلقُ بصرَه، ولا يسقط في براثين شياطين الجنِّ والانس.
وإن كسبت
الرهان كاملا، فأخذت من كلِّ فنون الحياة، الأصلية منها والعصرية، الروحية
والمادِّية، كانت امرأة كاملة فاضلة راقية، تكمُل سعادتُها وسعادة زوجها وأسرتها،
بِسعَة فكرها وتنوُّع ثقافتها، واتساع معارفها، ورجاحة عقلها، وجميل أناقتها.
وإن كسبت
الرهان جزئيا، فأخذت من كلِّ عنصر من عناصر التحدِّي نصيبا، كانت امرأة متوازنة
بين تفكيرها وأقوالها، وبين ثقافتها وأفعالها، وألبست واقعها المعيشي بما تعلم من
علمٍ ورقيٍّ وحضارة، وعاشت حياةً متوازنة، لا إفراط فيها ولا تفريط، ولا تطرُّف
فيها ولا انحلال، ولا حزن فيها ولا بطر.
أمَّا إذا لم
تستعد لمستقبلها، وتعدَّ له ما يلزم له من عدَّة وبضاعة دينيَّة، وأخلاقية،
ومنزليَّة، وتربويَّة، وعلميَّة، وفكريَّة، وحضاريَّة، وثقافيَّة، وحتَّى فيزيولوجية
طبيعيَّة؛ تقابل بها فارس أحلامه، وشريك حياتها، ورفيق مستقبلها، الذي هو أيضا قد
استعدَّ وأعدَّ لهذا اليوم ما أعدَّ، ممَّا يقدِّمه إلى، ويتقدَّم به أمام شريكة
حياته، ورفيقة دربه. فليس من الخير ولا من المروءة ولا من النصح ألاَّ تقابل
الفتاة استعداد الطرف الآخر باستعداد وجهد مماثلين، بل عليها والمطلوب منها جهد
واجتهاد أكثر من الرجل.
لهذا أنصح
بنات جلدتي، وبنات أمَّتي أن يحملن هذا الأمر محملَ الجدِّ، ويضعنه الأوَّلَ في
سلَّم أولويَّاتهنَّ، منذ بداية إدراكهنَّ لدورهنَّ في الحياة، ووعيهنَّ
بمسؤوليتهنَّ ورسالتهنَّ التي اتمنهنَّ الله تعالى عليها لعمارة الأرض وخلافته في
الكون إلى جانب صنوها الرجل، فالقضيّة قضية مستقبلهنَّ وسعادتهنَّ، ومسار
فطرتهنَّ، وتحقيق أهدافهنَّ وأمنياتهنَّ.
خاصَّة أنَّ
الحياة تتغيَّر من ساعة إلى ساعة، ومن يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، ومن سنة إلى
سنة؛ فليس من المعقول ولا من المقبول أن يجتمع طرفان في القرن الواحد والعشرين،
أحدهما بعقلية الماضي السحيق، والآخر بعقلية المستقبل المفتوح.
بقلم: يوسف بن يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق