الخميس، 16 يناير 2014

طالب العلم في مزاب

طالب العلم في مزاب

    إنَّ طالب العلم عند الميزابيين يجبُ ان يكون متديِّنا صالحا قبل كلِّ شيء. إنَّه رأس مالهم فلا بدَّ من حياطته ومراقبته. فإذا رأوا أقلَّ اعوجاج في سلوكه انتهروه وعنَّفوه وعيَّروه بأنَّه يدنِّسُ كرامة العلم. وتراهم يحصون عليه حتَّى الهفوات الصغيرة فيعاتبونه عليها، كخروجه عن زيِّ الطلبة ومجالسته لغير المثقَّفين. وكان طالب العلم في ميزاب في عهد القطب يشعر بعيون المدينة كلِّها تراقبه، فأينما ذهب فهو شخصية بارزة تلاحظه العيون، فتدرك أخطاءه فتعاقبه عليها.

    وكانت عادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابتة في النفوس، فأجدت كلَّ الجدوى في تربية الأطفال، وتعويدهم الاستقامة والصلاح. ولعلَّ المدرسة لا يخافها الطفل كما يخاف الشارع والمسجد وكلَّ الأماكن العامَّة، والدار. أمَّا الشارع ففيه العوام المتحمِّسون الأشدَّاء الذين لا يرحمون طلبة العلم ولا يسكتون عن عيوبهم.
    إنَّ هذه الصفة الاسلامية الحميدة في ميزاب في عهد القطب هي التي جعلته وجعلت بعض العلماء يؤثرون أن يقضيَ الطفل كلَّ طفولته إلى بعد البلوغ في مدارس ميزاب ومعاهده ليطبع بالصلاح والاستقامة، وأنكروا على من ينقل الأطفال الصغار إلى معهد لا تتمسَّك بالدين ولا تعتني بالتربية. فوقعت معارك طاحنة بين الطرفين. ولعلَّ كلا الطرفين على صواب من جهة، فنعذرهما، إنَّهم مشائخنا.
    ولا تزال عادة مراقبة سلوك الناس للأطفال في الشارع والأماكن العامَّة موجودة في مزاب! وهي لعمري عادة إسلامية غالية هي أعزّ ما ورثوا من أجدادهم، لأنَّها أصل التربية الرشيدة، والدين المتين. فما لم يكن الشارع والبيئة العامة كلها صالحة تعين المدرسة في التربية لا نرجو صلاحا لأبنائنا! وقد أخذت هذه العادة العظيمة تضعف في ميزاب الآن. وصار كثير من الآباء والأمهات الجاهلين يعزُّ عليهم أن يُعنَّف طفلهم على اعوجاجه في الشارع، أو يدخل وهو يبكي لأنَّ أحد الناصحين صفعه لتمرُّده. "وربَّ لطمة ليتيم خير من أكلة خبيص".
    هذا ما كان يعتقده أجدادنا،
                                وهذا ما يأمرنا به ديننا القويم!.

بقلم الأستاذ: محمَّد علي دبوز (رحمه الله)
نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة

الجزء الأوَّل، صفحة: 364/365

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق