الجمعة، 1 يونيو 2012

طلب العلم من المهد إلى اللحد



     استوقفني أثناء مطالعاتي، حوار بين المأمون وابراهيم بن المهدي، لما دخل عليه وعنده جماعة، يتذاكرون في مسائل العلم.
     فقال له المأمون:هل لك معرفة بما يقول هؤلاء ؟
     فقال ابراهيم بن المهدي: يل أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر، واشتغلنا في الكبر.
     فقال المأمون: لم لم تتعلم اليوم ؟
     فقال ابراهيم: أو يحسن بمثلي طلب العلم ؟
     فقال المأمون: نعم، والله لأن تموت طالبا للعلم، خير من تعيش قانعا بالجهل.

     وإني والله لأقع في حيرة من الأمر، عندما أقرأ مثل هذه النصوص الكثيرة في تراثنا، التي تقدس العلم والعلماء ؛بل وتفرض طلبه على كل مسلم ومسلمة ولو بالصين، كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة. وأجد مقابل ذلك نفرة وإعراضا عن العلم بين المسلمين، خاصة عندنا نحن الجزائريين.


    ومظاهر هذا النفور والإعراض جلية في كل مكان وفي كل حين.
    كأن تجد الرجل – المرأة – ينتظر دوره عند طبيب، أو مصلحة إدارية، لساعات عديدة تذهب هدرا. ولو وضع بين يديه كتابا، لأخذ منه فكرة، أو حفظ منه مثلا، أو استفاد حكمة، …أو …أو …
    أو ترى مسافرا في طائرة، أو سيارة، أو قطار، أو حافلة، عبر مسافات طويلة، ولا تسول له نفسه أن يحمل معه دفترا، فيسجل بعض الفوائد من سفره، أو ملاحظات عن الأماكن أو الشعوب والأمم التي يزورها.
     أو طالبا يقضي العطلة تلو العطلة، دون أن يكلف نفسه بقراءة كتاب، أو إنجاز بحث في تخصصه، أو حتى في هوايته واهتمامه.
     ولو اهتمت الشعوب الإسلامية والعربية بالعلم والبحث والتفكير، وأخذت بالأسباب العديدة، ابتداء بالقلم والكتاب والقرطاس والمعلم والمدرسة والمعهد والجامعة والمكتبة و… و…، لكان حالنا معشر المسلمين غير هذا الحال.
     خاصة  وأننا في عصر توفرت فيه كل الوسائل من تقليدية إلى عصرية إلى تكنولوجية، كالمواقع الإلكترونية والفضائيات التعليمية، فلم تعد للمرء حجة أن يعيش جاهلا، فالعلم مطلوب وهو متوفر والحمد لله من المهد إلى اللحد.
     ومن هذه النعم التي أسبغها الله علينا – نحن هذا الجيل – خصوصا، معهد المناهج الفتي، بمنهجيته وأسلوبه المتميزان، والكفاءة العلمية التي يتمتع بها مؤسسوه ومسيروه، والوسائل العصرية التي يوفرها، والمناخ العلمي الرفيع السامي الذي يحيط به الطلبة الباحثين، والشروط المرنة التي تمكن كل باحث جاد من الانتساب إليه، مهما بلغ من العمر، ففيه يجد المرء الجاد فرصة لطلب العلم، من المهد إلى اللحد.
     كل هذه المميزات تجعل منه – المعهد – معبدا للعلم يجد فيه الباحثون الجو الروحي الهادئ، البعيد عن ضوضاء المدينة وضجيجها، ومنارة تجمع شتات الباحثين والمثقفين الجادين، وترتفع بالعلم والعلماء إلى المستوى الذي رفع الله إليه العلم والعلماء.
- يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات -
     حفظ الله هذا المعهد، وسخر له كل وسائل النجاح والتطور. آمين.
     إذن فالحجة اليوم قائمة على المسلمين كافة، وعلى الطلبة والباحثين ومل من استأنس من نفسه القدرة والرغبة والطموح لإنجاز عمل فكري، أو بحث علمي جاد، فالإطار والفضاء والوسائل متوفرة - والحمد لله –
    فلنمت طلبة للعلم، خير من أن نعيش قانعين بالجهل.

                                                  يوسف يحي الواهج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق